09.08.2008 هو اليوم الذي رحل عنا محمود درويش ويوم بقي معنا         منحى العدمية في أعمال محمود درويش.. كتاب جديد للناقد أحمد دلباني         دراسة نقدية لديوان الشَّاعر معين شـلبية : قلم: د. بطرس دلّة         الشاعر معين شلبية / ذاكرة الشعر.. ذاكرة الوطن         الناي خيط الروح محمود درويش وشكل الصوت الغنائي/ صبحي حديدي         في حب الشاعر: "كل قلوب الناس جنسيتي"- بقلم د. فيحاء عبد الهادي         دفاتر محمود درويش في حوار شامل- حاوره: عبده وازن         مؤسسة محمود درويش تفتتح معرضا بعنوان "في عيونهن" امام الجمهور بحضور مجموعة من الكتاب والشعراء والفنانين         
 
 
New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

البنية السردية في ديوان"لماذا تركت الحصان وحيداً" الدكتور / عبد الرحيم حمدان حمدان

 

04/11/2012 19:51:00

الدكتور / عبد الرحيم حمدان حمدان

البنية السردية في ديوان"لماذا تركت الحصان وحيداً"
للشاعر محمود درويش
 الدكتور / عبد الرحيم حمدان حمدان
 
مدخل:
يمثل الشاعر محمود درويش- المولودعام 1940م في قرية "البروة" قضاء عكا- حالة مشرقة في تاريخ الشعر الفلسطيني المعاصر، فخصوصية التجربة الشعرية التي عرف بها، تهيمن منذ زمن ليس بالقصيرعلى أفق المشهد الأدبي الفلسطيني، وقد امتدت إلى المشهد الثقافي العربي الكبير.
يعد ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً" للشاعر محمود درويش ـ وهو المجموعة التاسعة ضمن إصدارات هذا الشاعرـ درويش مرحلة تحول جديدة في تجربته الشعرية، وإنجازاته الإبداعية الثرية، إذ انتقل درويش في هذا الديوان من الغنائية الشفافة اللماحة إلى الملحمية الغنائية، إذ وصفت غنائيته بالغنائية الدرامية( الموسى. محمود درويش من الغنائية إلى الملحمية ومن المحلية إلى العالمية.  www.awu-dam.org) .
والواقع أن أهمية هذا الديوان قد تجلت من نواح عدة منها: أن الخطاب الشعري لمحمود درويش في هذه المجموعة الشعرية قد استطاع أن يبني عدداً من القصائد التي تتسم بنفس سردي، تجلت فيها عناصر السرد وأساليبه واضحة المعالم والأبعاد، ويُعدُّ توافر هذه الأبنية السردية في شعره أثراً منآثار التمازج والتلاقح بين الدراما والأجناس الأدبية الأخرى، حتى غدت النزعة السرديةـ بما تحتويه من عناصر وتقنيات ـ بنية أساسية في الخطاب الشعري لا يمكن تجاوزها، دون أن تفقد النصوص طبيعتها الشعرية من لغة وصورة وإيقاع "ولا عجب أن يحتوي الشعر على عنصر قصصي يتخذه الشاعر مجالاً لتجربته ، وهو فيه أبعد ما يكون عن الخضوع لقواعد القصة في مفهومها الحديث"(هلال،1960، ص59)، ويشكل السرد الشعري بتقنياته المتعددة مكوناً أساسياً من مكونات الخطاب الشعري، إذ اتخذ منه أداة محورية لنقل تجربته الشعرية إلى الذات المتلقية.
يضطلع السرد من جانب آخر بدور مهم في إثراء تجربة الشاعر الفنية وتماسكها، إذ إن إدراج آلياته في ثنايا النص الشعري يعمل على تقوية بناء القصيدة، ويعزز مستوياتها المتعددة: تركيباً وإيقاعاً ودلالة، فضلاً عن أن السرد يعد مظهراً من مظاهر الهروب من الغنائيّة الذاتيّة المنعزلة عن الآخر إلى الدرامية الموضعية، ذلك أن الشاعر"ما عاد كائناً يتقصّدُ بغناء الذاتِ واستغاثاتِها، بل أخذ يعرض ويقص ويروي"(أبو ديب،1987، ص136).
إن التوجه إلى أسلوب السردي القصصي وتوظيفه داخل النص الشعري ليس من منجزات شعراء الحداثة، وإنما هو أسلوب مألوف في التراث الشعري، فالقارئ لنماذج عديدة من الشعر العربي القديم والمعاصر يجد نفسه أمام عشرات من القصائد التي استخدمت الأسلوب القصصي، وتعددت فيها الأصوات والشخوص، وتنامت فيها الأحداث وتصاعدت لتصل الى نهاية قصصية، وثمة قصائد أخرى اتكأت على الحكاية وقدمت مشاهد قصصية متنوعة واعتمدت قصائد أخرى في بنائها على الحوار والسرد(زين الدين، ثائر، الشعر الحديث يستعيرُ تقنيات السرد www. arabicstory.net).
وفي العصر الحديث أفاد الشعراء من المنجزات الروائية الحديثة بشكل يخدم القصيدة الشعرية، وينهض بمستوياتها الفنية، ومقوماتها التعبيرية، وبظهور قصيدة النثر ازدادت الحاجة إلى التقنيات السردية، التي غدت جزءاً من الرؤيا الجمالية لهذا الشكل الشعري، إلى جانب الاستعانة بتقنيات التشكيل الشعرية الأخرى؛ لإثراء الخطاب الشعري بدلالات ثرة، وتعزيز قدرته الإبلاغية، فعمد الشعراء الحداثيون إلى النهوض بالنص الشعري، وتجنيبه الغنائية، وإكسابه أبعاداً موضوعية تفسح المجال أمامهم؛ للتعبير عن رؤيتهم الفكرية بصورة ناضجة تتسم بالدقة والعمق، وأصبح الأسلوب السردي في ظل القصيدة الحداثية أكثر نضجاً ووضوحا مما كانت عليه القصيدة الموروثة(فضل، 1998 ، ص 23 ).  
لا شك أن الشاعر العربي الحديث يتغيا من وراء استخدام عناصر السرد القصصي وتقنياته في خطابه الشعري تحقيق وظائف فنية عدة منها: إزالة الحواجز بين الأجناس والفنون الأدبية المجاورة؛ الأمر الذي يبرز التمازج والتعانق بين الشعر الغنائي التأملي والشعر السردي الموضوعي في إطار نظرية(الفن الشامل)التي ترى وفق ما ذهب إليه (كلينث بروكس):"أن كل قصيدة هي" دراما صغيرة"؛ لأنها تقوم على صوت يحاور نفسه أو"أنا" تحاور العالم في حوارها مع نفسها"(عصفور، 1996، ص5).
الواقع أن أسلوب السرد القصصي لم يكن في يوم من الأيام غائباً عن نصوص محمود درويش الشعرية، فهو يشكل نمطاً من أنماط شعريته، وآلية من آليات إنتاج إبداعاته، وقد تجلى هذا العنصر السردي في مجموعة غير قليلة من قصائده التي سبقت ديوانه"لماذاتركتالحصانوحيدا" واستندت في بنيتهاـ بشكلٍ جوهري ـ إلى تقانات السرد وأساليبه المتنوعة من عرضٍ، ونموٍ، وحوار أو وصف سردي، تقطيع مشهدي مثل: قصيدة"الحديقةالنائمة"( درويش،1994 ،1 /ص 661 )، و"كان ما سوفَ يكون ـ إلى راشد حسين"( درويش،1994 ،1 /ص 595 )، و"الحوار الأخير في باريس/ لذكرى عز الدين قلق"( درويش،1994 ،2 /ص 199 )، و"بيروت"( درويش،1994 ،2 / ص 193 )، و"شتاء ريتا"( درويش،1994 ،2/ ص 537 ) وغيرها.‏
يعّرف السرد في الفن الدرامي على أنه:"الطريقة التي يختارها الروائي؛ ليقدم بها الحدث إلى المتلقي، أو هو:"نقل الحادثة من صورتها الواقعة إلى صورة لغوية"(إسماعيل،1981، ص187)، وربما اتسع مفهوم السرد فأطلق على كل الأنواع النثرية التي تتخذ من هيكل الرواية قالباً في بنائها.
تجلت أهمية ديوان"لماذا تركت  الحصان وحيدا؟" من ناحية أخرى؛ من خلال كونه مشروعاً لسيرة ذاتية للشاعر، تتبع فيها محمود درويش المراحل الواضحة من حياته، والمعاني الكبيرة، والأشياء المؤثرة، وفقما اعترف به في حوار أجرى معه،"إنني في "لماذاتركتالحصانوحيدا" أسجل ما يشبه السيرة، وأعيد تأليف ماضيَّ" (درويش،1997، ص10).
لا يخفي على المتلقي أن ثمة علاقة وثيقة تربط بين البنية السردية والسيرة الذاتية؛ للوقوف على مدى التداخل بين ما هو سردي وشعري في قصائد الديوان، ومدى الجماليات التي يمنحها هذا التداخل للنص الشعري، فالبنية السردية تنهل من معين السيرة الذاتية، وهل هناك من بنية أنسب لفن السيرة من البنية السردية؟ حيث يغدو الشاعر أحوج ما يكون إلى البنية السردية في تشكيلاتها وبنائها؛ للتعبير عن تجاربه الذاتية ومواقفه من الحياة، فالشاعر محمود درويش يعد نفسه راوياً يحكي تراجيديا شعبه ووطنه وذاته معاً، إذ إن السرد عنده ذو دلالة تاريخيه وفنية معاً(الصكر،2000، ص40).
            ومن خلال الفهم الدقيق لوظيفة السرد ودوره في بناء القصيدة، وإدراك سمات السيرة الشعرية وخصائصها الفنية، يمكن للباحث أن يتخذ من البنية السردية في الديوان مدخلاً لقراءة شعر محمود درويش ومقاربته من خلال منهج تحليلي، يقترب فيه الدارس من رصد العناصر السردية في النصوص الشعرية وبنيتها وتقاطعاتها، ومعالجتها معالجة تحليلية تكشف عن خصائصها الأسلوبية، وسماتها الفنية؛ لأن منهج تحليل النصوص الأدبية "يأخذ في الاعتبار محاوله استقصاء الجوانب التي يمكن أن تؤثر في فن الشعر على مستوى الصياغة الجمالية والمحتوى معاً"(التطاوي،1984، ص أ)، إلى جانب الكشف عن التقنيات السردية التي استعان بها الشاعر في نسج خيوط هذه البنية مثل: الاستهلال الزماني والمكاني، والخاتمة السردية، وضمائر السرد ومفرداته، وطاقه التناص وكيفيته، والوصف وأسلوب القطع المشهدي والمفارقة والتكرار والاسترجاع التذكاري وغيرها، والعناصر السردية الأساسية التي سيتم مقاربتها في هذا الديوان هي: الحدث والشخصيات والمكان والحوار؛ لكونها تجلت أكثر من غيرها في هذه المجموعة.
أولاً ـ بنية الحدث:
يشكل الحدث مكوناً مهماً من المكونات الأساسية في البنية السردية، إذ لا يمكن أن يتصور بنية سردية من دون حدث،وتزخر قصائد محمود درويش في هذا الديوان بالأحداث والمواقف والمشاهد، ففي كل قصيدة ثمة حدث يجري أو يقع أو على وشك الوقوع، وجلّ هذه الأحداث تدور حول تجارب الشاعر وتجارب شعبه وبلده، وفيها يتذكر طفولته في قريته"البروة" التي أقام فيها أبوه وجده وأمه، ويصف ما ألمَّ بقاطنيها عام 1949م من تهجير قسري إلى مخيمات الشتات واللجوء في لبنان، وكان الشاعر يومها طفلاً لا يزيد سنه على سبع سنين، ويتذكر تجربته وهو معتقل في سجون الاحتلال بحيفا، ويصف تجربته في المنفى في باريس، وتنتهي أحداث الديوان بقصائد تجسد خيبة أمل الشاعر في اتفاق "أوسلو".
وقصيدة"أرى شبحي قادماً من بعيد" التي افتتحت بها مجموعته الشعرية، غنية بالعناصر السردية التي تجلت بوضوح في عدد من الأحداث وتناميها والصراع فيها، وقد شكلت تلك الأحداث النواة المحورية لقصائد الديوان برمته، ويجدها المتلقي متشظية في ثنايا مجموعته الشعرية.
ففي هذه القصيدة أطلََّ الشاعر على المكان الواحد، في أزمنة متعدّدة ومتعاقبة، فرأى من مكانه وهو في المنفى كل ما مَرّ على هذهِ البلاد، وحاول أن يستشرف المستقبل، ذلك أن"الشاعر في هذه السيرة يعيد تأليف ماضيه، وهو ماض له خصوصيته؛ لأنه يمتد في الحاضر ويتجذر فيه"(عيسى،1997، ص12).
بدأت القصيدة على شكل سرد ذاتي يتلقاه المتلقي عبر ذات الشاعر/ الراوي، يستعيد من خلال إطلالة الحاضرـ وهو في منفاه في أوروباـ حدثاً من أحداث ماضيه القريب، وهو طفل في قريته"البروة" إذ يقول (درويش، 1995، ص11، 12):
أرى شبحي قادماً من بعيد...
أُطِلُّ كشُرفة بيتٍ، على ما أريد
أُطلُّ على أصدقائي وهم يحملون بريد
المساء: نبيذاً وخبزاً،
وبعضَ الروايات والأسطوانات...
أُطلُّ على نورسٍ، وعلى شاحنات جنودْ
تُغَيِّرُ أشجارَ هذا المكانْ.
أطل الشاعر في هذه القصيدة إطلالة على الخارجي الموضوعي، إذ راجع ذاكرته التاريخية والثقافية في ضوء واقع ممزق متردٍ، وهو واقع اتسم بالجمود والثبات أوحت به دلالات عدة منها: تكرار اللازمة اللغوية" أطل كشرفة بيت على ما أريد" في مطلع كل مشهد من مشاهد القصيدة الأربعة والعشرين؛ مما يشي بكونها بؤرة النص ومحوره الأساس، ففي كل مشهد يذكر الشاعر عدداً من الأحداث التي مرت به وبوطنه، وهي أحداث تداخلت فيها الأمكنة والأزمنة: الماضي والحاضر والمستقبل المحتمل.
تداعت المشاهد التي تمر تباعاً أمام عيني الشاعر وكأنها عدسة تصوير ترصد بدقة، وفي حركة سريعة متتابعة ما جرى للشاعر من أحداث، مستخدماً في ذلك أسلوب القطع المشهدي الذي ينتقي منها أقربها إلي تجربته الذاتيــة، فدال"أطل" وهو فعل مضارع يوحي بتتابع تلك المشاهد وترابطها في إطار علاقة متوازنة لا تحتاج إلي فضّ شفرتها بقدر ما تحتاج إلي قدر من الوعي الشعري للتواصل معها. إلى جانب كونه يشكل إطلالة من عل على الأحداث: بأن الشاعر مهيمن على المشهد، متمعن في تفاصيله وجزئياته، ويوحي التشبيه" كشرفة بيت" بالجمود والثبات، ويجيء افتتاح الشاعر/ الراوي خطابه الشعري من خلال صوت سردي يتمثل بضمير المفرد المتكلم (أنا) في الفعل "أطل" إلى شدّ انتباه المتلقي إلى أقصى درجة ممكنة، ويحفزه على المتابعة، ويقنعه باحتمالات وقوع الحدث.
اتكأت البنية السردية في هذا المقطع أيضاً على أسلوب المفارقة لتصوير معاناته والتعبير عن قضاياه ومواقفه، فدال"النورس" يشير إلي البنيــة المكانية "البحرية"، أما دال "الشاحنات" فيشير إلي البنية المكانية"البرية"، بيد أن ثمة تشابهاً في مغزاهما الدلالي؛ لكونهما يوحيان بالرحيل وما فيه من حركة وتموج؛ الأمر الذي ينطوي على مفارقة أخرى، فالنورس يوحي برحيل الفلسطيني إلي أرضه ووطنه، وشاحنات الجنود تومئ بعودة الصهاينة إلي أرض فلسطين؛ لتهدد أمن أهلها واغتيال أحلامهم، وقد أدت هذه المفارقة دوراً بارزاً في تقوية عنصر السرد، وتعميق أثره في الصراع والتوتر الدرامي.
من يتابع المشاهد التي رسمها الشاعر، يجد أن كاميراالسرد خرجت منإطار المشهد السابق البالغ التكثيف والإيجاز، لتوجه عدساتها نحو المحيط السردي للحدث في فضائه الزمكاني المخصوص، وتلتقط صورة امتاحها الشاعر من مخزون ذاكرته، واتصلت بتجربته الذاتية، إذ نقلت هذه اللقطة مشهدَ رحيل الشاعر المتنبي منفياً من بلاد الشام إلى مصر، وهو يعاني المرارة والخيبة، يقول(درويش، 1995،ص 12):
"أطلُّ على اسمِ أبي الطيب المتنبي/ المسافِر من طبريا إلى مصرَ
 فوقَ حصان النشيد".
حاول الشاعر في هذا المقطع أن يسقط حدث رحيل المتنبي إلى مصر على أحداث تجربته الذاتية، فثمة تشابه بين الحدثين، فالمتنبي الجديد خرج منفياً من فلسطين المحتلة إلى المنفى والغربة في مصر سنة 1971م، وكلاهما لم يكن يعاني هموماً فردية خاصة حسب، وإنما كان يعاني هموماً على مستوى الشعور العام بقضايا الأمة والوطن، فضلاً عن أنهما ارتبطا بقضية الشعر، وتحقيق الذات بهذه الوسيلة المشتركة بينهما، المتنبي في طموحه الشخصي والقومي، ومحمود درويش في طموحه الوطني القومي.
والواقع أن حكاية الشاعر مع أحداث هذه القصيدة ومشاهدها ليست أحداثاً مرتَّبةً ترتيباً سردياً منطقياً زمنياً متصاعداً، وإنما جاءت في عمومها حكايةً شعريةً شبيهةً بالأمواج المتتالية المتشابهة، فكان لكلِّ منها خصوصيَّتُهُ ضمن المكان والموضوع، حكاية تداخلت فيها الأزمنة وشاعرية اللغة، وكسر النمطية وتفتيت الأحداث، وقد حاول الشاعر أن ينتقي من هذه الأحداث والمشاهد أقربها ملامسة لتجربته، وأكثرها خصوصية بالحالة الفلسطينية العامة.
ومن الأحداث التي شغلت حيزاً مهما ًفي ديوانه الشعري مشهدُ ولادة الراوي/ الشاعر الذي عبّر عنه في قصيدته" في يدي غيمة" يقول وهو يتحدث عن نفسه بضمير الغائب (درويش،1995، ص20):
يُولدُ الآنَ طفلٌ،
 وصرختُهُ،
في شقوق المكانْ
حاول الراوي/ الشاعر في هذه الأسطر أن يوفر لحدث ولادته تقنيات سردية متعددة منها: الاستهلال السردي، في قوله(درويش،1995، ص19):
أَسْرَجوا الخَيْلَ،/لا يعرفون لماذا،
ولكنّهم أسرجوا الخيل في السهل
جاء مشهد ولادة الطفل ذا دلالات غنية يوحي بالاستعداد الجماعي بالرحيل، ويحمل طابعاً تنبؤياً، فيه استباق سردي للحدث، فكان إيذاناً بالتهجير القسري من المكان الأصلي إلى دنيا التوزع والشتات.
            هيأ الشاعر للحدث السردي بمقدمة تمهيدية أخري وظف فيها عنصري الزمان والمكان، فضلاً عن عناصر الطبيعة، فكان المشهد مشهداً احتفالياً بمولد الطفل الذي أصبغ عليه الشاعر أجواء احتفالية ذات طابع تاريخي وديني، إذ يقول(درويش،1995، ص19):
... كان المكان مُعَدّاً لمَولده: تلَّةً
 من رياحين أجدادِه تتلفَّتُ شرقاً وغرباً. وزيتونةً
 قربَ زيتونةٍ في المصاحف تُعْلي سُطُوحَ اللغة...
 آذارُ طفلُ/ الشهور المدللُ. آذارُ يندفُ قطناً على شجر
اللوز. آذارُ يُولِمُ خبّيزةً لِفناء الكنيسةِ.
آذارُ أرضٌ لِلَيْلِ السُنُونو، ولامرأةٍ
تستعدُّ لصرختها في البراري... وتمتدُّ في شجر السنديانْ!
تشابك في هذا المجتزأ عنصرا المكان والزمان وتداخلا للتمهيد لمشهد الولادة، واتضح ذلك من خلال الدوال الآتية:" تلة،آذار، الرياحين، زيتونه، شجر اللوز، خبيزة، فناء الكنيسة، الليل، البراري، شجر السنديان"، كل هذه العناصر تستعد لاستقبال ميلاد الطفل الجديد.
بدأ هذا المشهد الاحتفالي بعناصر الطبيعة التي تخلق جواً من الترقب والريبة والخوف وتفضي إلي التوتر والصراع، وتمهد لحركة الرحيل والنزوح.
ارتقي الخطاب الشعري أيضاً في هذا المشهد إلي مستويات عالية من الإيحاءات والترميز، إذ راوح السرد الشعري بين الغموض والوضوح، ووازن بين جمالية النص والنفَس السردي، وتناوب السرد والشعر في تقديم الحدث بالشكل الذي وصل إلي الذات المتلقية.
أما تكرار عنصر الزمن" آذار" أربع مرات، وهو الشهر الذي ولد فيه الشاعر، وصوغه في صور خيالية متنوعة، جعله يحمل دلالات الخصب والنماء والحياة والتجدد، ويضفى على الحدث جوا أسطورياً أثراه وأغناه.
            بدت الخاتمة السردية التي تقابل فيها مشهد النهاية مع مشهد البداية كأنها نذير بالمستقبل الفاجع، ونبوءة بالرحيل الجماعي، فقد أنهى الشاعر القصيدة بالمقطع نفسه الذي بدأ به؛ ليصنع بذلك دائرة دلالية مغلقة، لا يريد الخروج منها، وهي استمرار التعلق بالوطن ومشاركته همومه وآلامه. يقول(درويش،1995، ص23):
 أسرجوا الخَيْلَ،
لا يعرفون لماذا،
 ولكنهم أسرجوا الخيل
 في آخر الليل، وانتظروا شَبحاً طالعاً من شُقُوق المكانْ...
من يتأمل الأحداث التي وردت في الديوان، يجد أن الشاعر لم يقف عند استدعاء الأحداث والذكريات التي مرت به وبشعبه من الماضي البعيد أو القريب، وإنما اتجه هذه المرة صوب الحاضر، فعمد إلى استدعاء حدث تاريخي معاصر، له أثره العميق في مسيرة الشعب الفلسطيني، وهو توقيع اتفاقية" أوسلو" بين الفلسطينيين والمحتلين الصهاينة سنة 1993م، ففي قصيــدة "خلاف غير لغوي مع امرئ القيس" يصور بعض مشاهد هذا الحدث، فيقول(درويش،1995، ص155):
أغْلََقُوا المشهد / انتصروا
عبروا أمسنا كله،/غفروا
 للضحية أخطاءها عندما اعتذرت
 عن كلام سيخطر في بالها،/غيروا جرس الوقت / وانتصروا
            عبَّر الشاعر في هذا المقطع عن خيبة أمله مما آلت إليه أوضاع الشعب الفلسطيني المأساوية التي أجبر فيها على الرضوخ لإرادة العدو وتوقيع هذه الاتفاقية، وقد حاول أن يعبر عن هذه الحادثة بأسلوب درامي مستثمراً مكونات السرد وتقاناته الفنية.
تعددت الضمائر وتنوعت في هذا المقطع ما بين ضمائر الغائب وضمائر المتكلم، فقد وظف ضمير الجمع للغائب"هم"؛ ليبين أنه هو الفاعل القوي، فهم الذين أغلقوا، انتصروا، عبروا ، غفروا، غيروا.، وضمير الجمع للمتكلم" نحن" الذي يمثل المهزومين؛ الأمر الذي أدى إلى تتعدد مستويات الكلام في الخطاب الشعري.
ومن التقنيات السردية التي عمد الشاعر أيضاً إلى استثمارها تقنية الفراغ الطباعي (...) في نهاية المقاطع؛ لما لها من دور مهم في جعل المتلقي يتابع الحدث وتطوره مثل:"وعدنا إلى غدنا ناقصين، وانتصروا"، وهي تقنية تفرض حضورها عند المتلقي الذي يحاول الوصول الى تأويل يشبع الناقص من التعبيرات المسكوت عنها قصدا من المبدع، وعند تحقيق هذه الانسياحات الدلالية لهذه النقط بتعدد تأويلها، تتحقق متعة الالتصاق بين النص ومبدعه من جهة، والنص التأويلي ومبدعه المتلقي من جهة أخرى( الخلايلة، 2004 ، ص35 ).
ثانيا ـ بنية الشخصية:
زخرت قصائد ديوان" لماذا تركت الحصان وحيداً" بعدد وافر من الشخصيات السردية، فثمة شخصيات عائلية هي: الأب والجد إلى جانب شخصية الأم، وثمة شخصيات تراثية: أدبية وتاريخية وأسطورية، وهناك شخصيات أخرى ابتدع الشاعر أبعادها وملامحها من خلال التجربة الذاتية، ورؤيته الإنسانية.
وبالرغم من أن هذه الشخصيات قد تداخلت مع غيرها وتشابكت في علاقات متنوعة، فإنها ظلت تحتفظ بملامح وسمات وأفعال خاصة ضمن المنظومة السردية المتعارف عليها في الفن السردي. ولكن كيف صاغ الشاعر هذه الشخصيات في قوالب سردية؟ للإجابة عن هذا السؤال يجدر الوقوف عند أبرز ملامح تلك الشخصيات وأبعادها.
ومن الشخصيات التي كان لها حضور مكثف شخصيةُ كل من "الأب" و"الجد" و"الأم"، بوصفها من أبرز المؤثرات التي شكلت عالم الشاعر الأسري، وكان لها دور فاعل في تشكيل شخصيته الإنسانية.
تجلت شخصية"الأب" واضحة المعالم في قصيدة" أبد الصبار" التي ركز فيها الشاعر على الملامح الداخلية في رسم معالم صورته من: شجاعة وقوة وصبر وإيمان قوي بالعودة إلى الوطن وحب إنساني؛ وتشبث بالأرض، و"الأب" في تمتعه بهذه الصفات يعد رمزاً للإنسان الفلسطيني. يقول السارد/ الشاعر على لسان الابن الذي حاور أباه في لحظة من لحظات الاقتلاع والتشرد(درويش،1995، ص32):
يقول أبٌ لابنه: لا تَخَف. لا
   تَخَف من أزير الرصاص! إلتصق
 بالتراب لتنجو!
شهد هذا المقطع حضوراً قوياً لشخصية الأب، بوصفه إحدى الشخصيات المحورية التي تمسك بزمام الأحداث وتناميها، وتجلت أيضاً فيه العلاقة الحميمية بين الأب والابن، وفيه تكشفت بعض ملامح شخصية الأب وأبعادها: فهو شجاع، لا يخاف، يحث ابنه على الالتصاق بالأرض؛ لأن في التمسك بها تمسك بالحياة، ونجاة من الضياع والتشتت والانخلاع.
عوّل الشاعر أيضاً في رسم معالم شخصية "الأب" على عنصر التوتر بوصفه أحد الأساليب السردية والذي أخذ آلية بنائية متحركة ونامية، فأدى دوراً مهماً في تقوية البنية السردية في النصوص الشعرية، يقول من قصيدة" ليلة البوم"(درويش،1995، ص28):
هاهنا حاضر لا مكان له
ربما أتدبر أمري وأصرخ في ليلة البوم:
هل كان ذلك الشقي أبي, كي يحمّلني عبء تاريخه ؟
عمد الشاعر في هذا المقطع إلى تصوير العلاقة بين الأب والابن، فجسدها في حالة شديدة من التوتر والتمزق والانكسار، فتتحول بدورها إلى مواجهة حادة بينهما:"الأب"الذي يرمز لجيل الآباء، و"الابن" الذي يرمز للجيل الجديد من الأبناء، وتتجلى هذه المواجهة في تحميل الابن الأبَ مسئولية ما حدث للشعب الفلسطيني من تمزق وانكسار وتشتت وضياع، وأن "الأب" وأمثاله هم السبب في جعل الابن يرث التجربة المثقلة بعبء الانتماء إلى هذه الأرض.
   المتأمل في طبيعة المواجهة بين الأب والابن، يتبين له أنها لم تكن مواجهة عميقة إلى الدرجة التي تفضي إلى المقاطعة والانفصال، وإنما كانت مواجهة طارئة، وليدة الانفعال بسبب قسوة حدث الرحيل وترك الوطن، وأنها سرعان ما انتهت بالمصالحة والتوافق بين الطرفين، إذ أدرك كل طرف منهما مسئوليته؛ لذا كان من الطبيعي أن ينمو الحدث ويتصاعد نحو الذروة، ثم تخف حدة التوتر والصراع، ويأخذ في الانفراج في النهاية، فقد أدرك الابن الذي يمثل الجيل الجديد دوره في استمرار المقاومة إلى آخر رمق، يقول في قصيدة "إلى آخري وإلى آخره..." (درويش،1995، ص41):
يا أبي، هل تعبت
 أرى عرقاً في عيونك؟
- يا ابني تعبتُ... أتحملني؟
مثلما كنتَ تحملني يا أبي،
     إن الصورة التي رسمها الشاعر"لـلأب" هي تجسيد للذات الفلسطينية في كفاحها ومقاومتها وتحديها للآخر، توحي بدلالات القوة والشجاعة والإيمان بحق العودة، فتكون بذلك الصورة المثلى للإنسان الفلسطيني في صراعه مع الغزاة الذين طردوا أهل الوطن من أوطانهم.
ومن الشخصيات التي برزت ملامحها بشكل جلي واضح في نصوص درويش الشعرية شخصية" الجد"، إذ حاول الشاعر أن يربط أبعاد تلك الشخصية بعنصر المكان؛ نظراً للعلاقة الوطيدة التي تربط الجد بالأرض وأهلها، وما جرى فوق ترابها من أحداث، إنها علاقة اندغام وانسجام وتماهٍ؛ الأمر الذي كشف عن هويته وانتمائه، يقول الشاعر في مطلع قصيدة "كالنون في سورة الرحمن" متحدثا عن جده(درويش،1995، ص73):
في غابة الزيتون، شرق
 الينابيع انطوى جدي على ظله
 المهجور. لم ينبت على ظله
 عُشبٌ خرافيٌّ
 ولا غيمة الليلك
 سالت داخل المشهدْ.
إن الكشف عن ملامح شخصية "الجد" وأبعادها يجعل المتلقي يدرك أنه أحد أولئك الذين يعشقون الأرض وأشجارها ونباتها وحيوانها، فهو مرتبط بالأرض مسكون بفصولها، وتقلبات تلك الفصول، وأن لهذه الأشجار والنباتات علاقة حميمة بطبيعة فلسطين، فأشجار الزيتون، والينابيع، والأعشاب، والغيوم والليل، وهي جميعها تحمل دلالات ورموزاً على طبيعة فلسطين وجغرافيتها، وجاء استخدامه لعنصر التشخيص نابضاً بالحياة والحركة؛ كاشفاً عن مدى التفاعل والتداخل بين هذه العناصر وشخصية الجد، فالطبيعة تبدو أكثر تآلفاً وحنواً على الجد من الإنسان، وهي تحزن عليه حزناً عميقاً؛ لأنه أٌجبر على هجرها ومغادرتها؛ ليحل محله قوم غرباء من الصهاينة، لا تربطهم بعناصر هذه الطبيعة أية روابط، سواء أكانت تاريخية أم وطنية.
ومن الشخصيات الشعرية التي كان لها حضور مكثف في عدد من قصائد الديوان شخصيةُ "الأم"، التي رسم الشاعر ملامحها وقسماتها بريشة الفنان البارع، متوخياً في ذلك الدقة والصدق، محاولاً تجسيدها وصبها في قالب سردي مثير، يقول في قصيدة "تعاليم حورية"(درويش،1995، ص77):
 فكرتُ يوماً بالرحيل، فحطّ حسّونٌ على
 يدها ونام. وكان يكفي أن أداعب غصنَ
 داليةٍ على خجل... لتدرك أنّ كأس نبيذي
 امتلأت. ويكفي أن أنام مبكراً لترى
 مناميَ واضحاً، فتطيل ليلتها لتحرسه...
 ويكفي أن تجيء رسالة مني لتعرف أنّ
عنواني تغيّر، فوق قارعة السجون، وأنّ
 أيامي تُحوِّم حولها... وحيالها
عبَّرت بنية السرد في هذا المقطع تعبيراً دقيقاً عن مشاعر الحب والفرح الطفولي الذي يكنه الشاعر لأمه "حورية"، إذ تأخر المدلول، وتقدمت دواله الشاهدة على أبعاد شخصيتها الإنسانية، مفيداً من إمكانات عنصر التشويق والمفاجأة، فلم تنجل شخصية الأم إلا بعد أن نسج السرد تفاصيل ملامحها ومعالمها، وما اتسمت به من حنو وعطف وحب لابنها، وبرز ذلك جلياً من خلال تعدد الضمائر وتداخلها: ضمير المتكلم (أنا) "فكرتُ يوماً بالرحيل"، وضمير الغائب (هو) "فحطّ حسّونٌ" و(هي) "على يدها ونام"، وهذان الضميران يمثلان بؤرة التجربة ومحورها، وأدى التكرار دوره في توليد البنية الإيقاعية، إلى جانب تعويل النص على عنصر الوصف الذي تضافر مع عنصر السرد، وعنصري الزمان والمكان والبنية الإيقاعية التي اتسمت بالهدوء والبطء في ترسيخ المغزى الكامن الذي يسعى الشاعر إلى طرحه من وراء رسم أبعاد صورة الأم وسماتها.
وفي القصيدة ذاتها يوجه السارد / الشاعر حديثه إلى أمه في صورة تساؤل عن حادثة رحيل الأسرة من قرية الشاعر "البروة" إلى مخيمات اللجوء في لبنان، فيقول(درويش،1995، ص78 ، 79):
هل تتذكرين/ طريق هجرتنا إلى لبنان، حيث نسيتني
 ونسيتِ كيسَ الخبز (كان الخبز قمحياً)
 ولم أصرخ لئلا أوقظ الحراس. حطّتني
 على كتفَيك رائحة الندى. يا ظبيَةً فقدت/هناك كِناسَها وغزالها...
جمعت الصورة التي رَسمت معالم شخصية"الأم" "حورية" بين الهم الفردي والجمعي للإنسان الفلسطيني، لاسيما حادثة الخروج من القرية، والرحيل إلى بلاد المنافي والغربة في لبنان، إثر سقوط فلسطين في يد المغتصبين سنة 1948م، وقد تجلت في هذا المشهد صورة الأم الرءوم التي تحنو على ولدها، وتعطف عليه، وتخاف أن يمسه سوء، مثلها في تلك الظروف المأساوية التي مر بها الشعب الفلسطيني مثل جميع الأمهات الفلسطينيات، وتكونت عناصر الصورة من طفل خائف تحمله أمه في طريقها مهاجرة إلى لبنان بعد سقوط وطنها وابنها.
 وفي سبيل تعميق أبعاد هذه الصورة ومعالمها في نفس الذات المتلقية، قام الشاعر/ السارد باستدعاء صورة السيدة "مريم" وابنها "عيسى" - عليهما السلام-، بما تحمله من أبعاد دينية وإنسانية تنسجم مع الحالة التي يروم الشاعر إبراز عناصرها وقسماتها.
ولم يقف الشاعر- في رسمه لأبعاد هاتين الصورتين - عند حد التقابل بين عناصرهما: فصورة السيدة مريم وابنها عيسى تقابلها صورة أم السارد / "حورية" وابنها الطفل/ محمود، وقد عمد إلى تحوير أبعاد الصورة ومعالمها بما يتوافق وتجربته الذاتية، ورؤيته الإنسانية، فإذا كان كلام "عيسى" عليه السلام" وهو في المهد المعجزة التي وهبت له الحياة، ومنحته الاستمرار في أداء رسالته، فإن معجزة الطفل الابن تتمثل في السكوت وعدم الكلام؛ لأن الكلام غدا طريقاً يفضي إلى الهلاك والموت على يد الجنود الصهاينة. فضلاً عن اعتماد درويش في بناء خطابه الشعري على تقنية الانزياح البلاغي، فاستخدم الدوال الموحية الآتية:" رائحة الندى والظبية، والكناس، والغزالة"، وهي دوال تزخر بمعان ودلالات تنم على استمرار التوحد والاندغام بين الأم وطفلها، واستحالة الفصل بينهما.
ومن الشخصيات السردية التي كان لها حضور لافت في الخطاب الشعري عند درويش صورة" الآخر"، وقد توزعت هذه الصورة ما بين صور فردية، وأخرى جماعية.
عمد الشاعر إلى رسم صورة الآخر المتمثلة في الجندي الغريب المغتصب، بوصفه الطرف النقيض في الصراع، فأخذ يكشف عن حقيقته، وبعد اكتشاف حقيقته تبرأ منه، ولم يعد قادراً على التواصل معه، ففي قصيدة "عندما يبتعد" استثمرت الإمكانات الثرة للبنية السردية في رسم أبعاد صورة " الجندي العدو" وملامحه، وقد تجلى ذلك بوضوح في مطلع القصيدة الذي افتُتحت بوصف هذه الشخصية، مستعيناً في ذلك ببعض الملامح الخارجية لابنة"الآخر"؛ لاستكمال جوانب الصورة وخطوطها وألوانها(درويش،1995، ص164 ، 165):
للعدوّ الذي يشرب الشاي في كوخنا
فرسٌ في الدخان. وبنتٌ لها
حاجبان كثيفان. عينان بُنّيتان. وشعرٌ
طويلٌ كليل الأغاني على الكتفين. وصورتٌها
لا تفارقه كلما جاءنا يطلب الشايَ. لكنه
لا يحدثنا عن مشاغلها في المساء، وعن
فرس تركته الأغاني على قمة التل.../
حاول الشاعر في رسمه لأبعاد شخصية العدو الغريب وتناقضاتها أن يصوغها في أسلوب سردي ممتع، ففي الوقت الذي تجلت في شخصية هذا العدو بعض الملامح الإنسانية، من مثل: إنه لا يحب الذين يدافع عنهم؛ لأنهم لا يملكون حقاً يستحق أن يدافع عنه، وعلى الرغم من أنه اغتصب أرض العرب وبيتهم، وسلب هويتهم، فإنه محب لهم، ولا يكره الذين يحاربهم، وهو فوق ذلك كله يطلب من الضحايا أن يكونوا طيبين مع المغتصبين الغرباء، وأن يرضوا بالعيش في الأكواخ الخشبية، في حين يمتلك هو بيتهم الحجري، بيت الآباء والأجداد.
المتأمل في المقطع السابق، يلمس أن الشاعر قد بناه على ثنائية الغريب المغتصب والضحية، ويكتشف أن ثمة خلافاً بين السارد والجندي الطيب، وهو في الواقع ليس خلافاً شخصياً بين فرد وفرد، وإنما هو خلاف جمعي.
ومن الشخصيات التراثية التي تناولها الشاعر من منظور سردي شخصيةُ "التتار"، فهو لم يقف عند رسمه لصورة "الآخر" عند الصور الفردية حسب، وإنما عمد إلى رسم صور جماعية له، تمثلت في شخصية التتار. ففي قصيدة "سنونو التتار" يبرز الشاعر صورة جماعية للتتار، فيقول(درويش،1995، ص58):
 كان التتار
 يسيرون تحتي وتحت السماء، ولا يحملون
 بشيء وراء الخيام التي نصبوها. ولا يعرفون
 مصائر ماعزنا في مهبّ الشتاء القريب.
 وكان التتار
يدُسُّون أسماءهم في سقوف القرى كالسنونو،
 وكانوا ينامون بين سنابلنا آمنين...
وفي سبيل الكشف عن معاناة الشعب الفلسطيني وهمومه في ظل الاحتلال الصهيوني عمد الشاعر إلى رسم صورة التتار/ الغرباء الذين كانوا ينامون بين سنابل أرضه، ولكنهم بعد أن اكتملت قوتهم طردوه وأسلموه إلى الشتات، وقد ارتكزت الأسطر في إنتاج دلالاتها على إطار زمني يحضر فيه الفعل الماضي"كان"؛ بوصفه حداً فاصلاً بين زمنين، زمن ما قبل احتلال الأرض، وزمن اغتصاب اليهود للأرض بعد نكبة 1948م. وأسهم تكرار فعل السرد القصصي "كان" في مداه الدلالي والإيقاعي في تهدئة الحركة من خلال بعثها في فضاء الحزن القائم على التأمل والاستذكار والاستلهام.
شغل حضور شخصية التتار في الخطاب الشعري الفلسطيني بوصفها مكوناً أساسياً من مكونات الخطاب السردي أبعاداً دلالية مهمة، إذ استحضر الشاعر من خلالها ملابسات الواقع الراهن واستكنه أبعاده وخلق حالة فكرية أو نفسية جديدة تعمل على تعميق دلالات النص الشعري، والانطلاق بها إلى أفاق إنسانية رحبة( موسى،2004، ص132).
جاء استخدام البنية الحوارية في المقطع السابق، وما يرتبط بها من توظيف عنصري الزمان والمكان تمهيداً فنياً لما سيأتي ذكره من سمات أخرى لشخصية "التتار" وأبعادها، وقد اتخذ الشاعر منها وسيلة لسرد أفكاره، وطرح رؤيته، والكشف عن طبيعة تلك الشخصية، وإضاءة جانباً من جوانبها.
ثالثاً ـ بنية المكان:
شكل المكان حيزاً محورياَ من اهتمام الشاعر محمود درويش وعنايته، وقد ُتم توظيفهتوظيفاً خاصاً، عكسرؤيته الشعرية للواقع الإنساني بوجه عام، والفلسطيني بوجه خاص، الذي اُمْتُحِنَفيبيته وأرضه ووطنه، وعانى،وما زال يعاني، من الحرمان والاغتراب عنها(حميدة، 2008، ص491 ).
أبدى الشاعر حرصاً واضحاً على استرجاع الأماكن ذات العلاقة بطبيعة مفردات تجربته الذاتية التي شهدت طفولته وصباه، وينم ذكر تلك الأمكنة وتعدادها على محاولته التشبث بهذه الأماكن والتعلق بأطيافها الباقية في الذاكرة، ذلك أن"الأماكن التي مارسنا فيها أحلام اليقظة تعيد تكوين نفسها في حلم يقظة جديدة، ونظراً لأن ذكرياتنا عن البيوت التي سكناها نعيشها مرة أخرى كحلم يقظة، فإن هذه البيوت تعيش معنا طيلة حياتنا" ( باشلار،1984، ص 44 ).
من يتأمل هذه الأمكنة وتجلياتها في خطاب درويش الشعري، يجدها أماكن غائمة، غير بينة المعالم، بمعنى أن المتلقي لا يعثر عند ذكرها إلى ما يشير صراحة إلى قرية"البروة"، إنما ثمة تلميحات وإيماءات تومئ من بعيد إلى أنه يتحدث عن قريته تلك.
ومن الأماكن التي شغلت مساحة واسعة من اهتمام الشاعر "البيتُ"، إذ كان للبيت وما يحيط به من نباتات وحيوانات وجمادات حضور لافت في مجموعته الشعرية.
ففي تصويره لأحد المشاهد استثمر السارد تقنية الحوار الدرامي في تحديد ملامح "البيت" الذي نشأ فيه الابن، وشهد مدارج طفولته، معتمداً في ذلك على ما اختزنته ذاكرة الطفل من صور عن المكان الأول، يقول السارد واصفاً مشهد عودة الأب وابنه متسللين من أرض اللجوء في لبنان إلى بيتهما في الجليل، يقول الأب في الحوار الذي دار بينه وبين ولده(درويش،1995، ص40):
- هل تعرف البيت، يا ولدي؟
- مثلما أعرف الدرب أعرفه:
 ياسمينٌ يُطوِّق بوابةً من حديد
 ودعسات ضوءٍ على الدرج الحجري
 وعباد شمس يُحدّق في ما وراء المكان
 ونحلٌ أليفٌ يُعِدُّ الفطور لجدّي
على طبق الخيزران،
 وفي باحة البيت بئرٌ وصفصافةٌ وحصان
 وخلف السياج غدٌ يتصفّحُ أوراقنا...
من خلال هذا المقطع الشعري يتحول"البيت" إلى مكان حميمييدخل معهالشاعر فيعلاقة شاعرية حميمة قوامها الحب والحنين بمفهوم (بلاشير) للفضاء الشعري، ففي وسط الغياب عن المكان استعيد المكان الأول الذي ينتمي إليه الشاعر بالولادة والنشأة المبكرة عن طريق الذكرى، وهو يمثل لديه رمزاً للوطن بأسره، و"إذا كان البيت"المكان الصغير" هو موطن الإنسان الأول الذي يحمي الحالم وأحلام يقظته، ويتيح له أن يحلم بهدوء، فإن الوطن"المكان الكبير" يقوم بكل هذه الأشياء، ويضيف إليها بعداً إنسانياً جماعياً وليس فردياً"(قطوس،2000، ص21).
توقفت عدسة السارد طويلاً أمام عناصر الطبيعة في البيت بخصوصيتها ونكهتها، إذ انطلق السارد في وصف مشاهد البيت بأشجاره وحيواناته وطيوره، وتوظيفه للعديد من الصور الشعرية يعكس تعلقه بالمكان وتشبثه به، تلكالقرية التي أصبح لها معالم واضحةفيشعرية القصائد.
حاول الشاعر في هذا المقطع إبراز الهوية الفلسطينية من خلال النبات والحيوان، وجاء الوصف في لغة سردية بسيطة مأنوسة، صيغت في جمل سردية مبنية على التكثيف والإيجاز، جرى تضمينها في سياق النص بسلاسة، مما جعلها تؤدي دوراً بنائياً تمهيدياً لمشهد البيت، ومال الإيقاع السردي إلى الهدوء والبطء، فالشاعر حريص على ذكر التفاصيل الدقيقة، وجزيئات المكان.
قام الشاعر بوصف البيت وملامحه على السرد التتابعي، فهو لا يكتفي بالوصف وحده، وإنما يسرد وهو يصف، إنه يقدم مشاهد صغيرة متتابعة، كأنه يملك عدسة مصور تتابع رصد المشاهد مشهداً مشهداً فتجعله واقفاً ماثلاً أمامه.
لم تقف البنية السردية وحدها في رصد هذه المشاهد، وإنما استعانت بالصور والمشاهد الخيالية، بحيث تماهى فيه السردي بالشعري تماهياً قوَّى بناء القصيدة ونسيجها الفني، وجعل المتلقي جزءاً من النص يدل كل منهما على الآخر، وذلك" في رفض صريح لاستقلالية النص عن القارئ، بعد أن انتقل المعنى من داخل النص الى داخل القارئ"(حمودة، 2003، ص126).
وفي مشهد آخر من مشاهد الرحيل يسأل الطفل أباه(درويش،1995، ص34):
- لماذا تركتََ الحصان وحيداً؟
- لكي يؤنس البيت، يا ولدي,
 فالبيوت تموت إذا غاب سكانها...
تجلت في هذا المقطع قدرة الشاعر على إبراز معالم البيت وأبعاده، وما يتسم به هذا البيت من صفات الصمود والصبر والقوة، التي انعكست حتماً في طبيعة أهله وسكانه، فالبيت هنا قادر على المقاومة، بمعنى أنه لا يتيح للغرباء أن يسكنوا فيه، وأنه سيظل حياً متصلاً بمصادر استمرار الحياة ممثلة في "الحصان"، فالحصان يزول ويتلاشى إذا ارتحل عن البيت واغترب؛ لأن الاغتراب موت، وينفتح دال "الحصان" هنا على آفاق دلالية رحبة، فالبيت والحصان كلاهما كائن حي، تربط بينهما علاقة حميمية، يرعى أحدهما الآخر، وبقاء الحصان في البيت يدفع عنه شبح الموت، ويغرس الأمل القوي والثقة الراسخة في عودة أصحاب البيت إليه، والحصان رمز للأصالة والعزة والفروسية والكبرياء والتجذر في الأرض، ويمنح الحوار الذي ورد في سياق استعاري نابض كلاً من "البيت" و"الحصان" حياة وحيوية، ويضفي عليهما سمات إنسانية، فالبيت يشخّص إنساناً ينتظر عودة أهله إليه بعد أن أجبرهم المحتل قسراًً على تركه، ويغدو "الحصان" إنساناً يمنح البيت الأنس والحياة، ويبث فيه روح الأمل والرجاء إلى حين عودة أصحابه إليه، وهو يعي حزن البيت، ويحس بمأساته المتمثلة في فراق أهله إياه. وبذلك أدت البنية الحوارية دوراً محورياً في تعميق مشاعر انتماء الشاعر إلى البيت وتلاحمه به، لا سيما أنه عانى تجربة الاقتلاع والنفي الاضطراري عن بيته. إن انتقاء مثل هذه الدوال:البيت، الحصان، يؤنس، المكان" وتكرارها بشكل درامي أدى إلى انفتاح الذات على عوالم المكان بأزمنته وشخوصه، ومنح النص ثراء فكريا واضحاًً(عبيد، 2005 ، ص40 ).  
رابعا ـ بنية الحوار:
يعد الحوار الدرامي عنصراً محورياً في بناء العمل الشعري ذي النزعة السردية، وهو تقنية فنية متميزة تسهم في جعل المتلقي يصغي إلى أصداء أفكار الشاعر وإيقاع أحاسيسه، والحوار حديث الشخصية الإنسانية المنبعث من أعماقها، والمعبر عنها أدق تعبير؛ لأن الشخصية الصامتة تبدو مثل لوحة ساكنة، ولكنْ ما إن تتحاور حتى تنبض ملامحها، وتتحرك الحياة فيها، حينذاك يتكون الانطباع الأول عنها.
ويبدو أن الشاعر الفلسطيني قد وجد في أسلوب الحوار بنوعيه: الخارجي والداخلي عوناً له في بناء خطابه الشعري بناء سردياً، وذلك لأن الحوار" يوضح أبعاد القضية المطروحة أو الموضوع المثار على نحو يزيده ثراء وتكثيفاً ( ثابت ،2009 ، ص171).
وفي ديوان "لماذا تركت الحصان وحيدا" سجل الحوار حضوراً مكثفاً على النحو الذي تجلى في كون عددٍ غير قليل من قصائد الديوان قد بُنيت برمتها على تقنية الحوار مثل: قصيدة" قافية من أجل المعلقات" وقصيدة" شهادة من برتولت بريخت أمام محكمة عسكرية"، وثمة قصائد أخرى كان للحوار في بنائها نصيب كبير نظير:"أبد الصبار" و"كم مرة ينتهي أمرنا "و"إلى آخري وآخره" و" قال المسافر للمسافر..."؛ إدراكاً منه بأهميته في الكشف عن الشخصيات بمظهرها الخارجي أو الداخلي والإسهام في بناء الحدث ونموه، فضلاً عن خلق التفاعل والتلاحم بين عناصر العملالقصصي(نجم، 1996، ص56).
 تجلىالحوار الذي اكتسى حضورهفي بنيةالخطاب الشعري المعاصر"نزعة سردية" عبرمستويين اثنين: أحدهما: الحوار الخارجي"الديالوج"، والآخر الحوارالداخلي " المونولوج".
الحوار الخارجي :
يمثل الحوار الداخلي تقنية أساسية من تقنيات البناء السردي؛ لتعويله على تعدد الأصوات والمشاهد التي تكسب النص قيماً موضوعية، فتعدد الأصوات في فضاء النص الشعري يدخل النص في حوار يدفعه إزاء التصاعد الدرامي، ويحقق القيم الدلالية والجمالية فيه.
يعرّف الحوار الخارجي بأنه:"تبادل الكلام بين اثنين أو أكثر، أو أنه نمط تواصل حيث يتبادل ويتعاقب الأشخاص على الإرسال والتلقي"(علوش،1985، ص78).
ومن أنماط الحوار الخارجي ما قام به الشاعر من محاورة الطبيعة ومظاهرها المختلفة: الصامتة منها والمتحركة، ولعل من أبرز مظاهر الطبيعة المتحركة "الطير" الذي ارتبط به الشاعر ارتباطاً وثيقاً؛ لأنها رمز للوطن المفقود ولطبيعة فلسطين، وبيئتها الريفية، فقد توجه الشاعر بحواره إلى بعض مكونات الطبيعة المتحركة لا سيما عنصر "الطير" الذي ألفه من خلال إقامته في وطنه مثل:"الغراب" و"الفراشة" و"الدوري"؛ لكونها شاهدة على مأساة الإنسان الفلسطيني في ظل احتلال أرضه، وتشريده في بلاد المنافي والشتات، ففي قصيدة " الدوري كما هو كما هو" يقول السارد/ الشاعر محاوراً طائر "الدوري"(درويش،1995، ص199 - 121) :
لكََ ما ليس لي: الزرقة أنثاك
ومأواك رجوع الريح للريح،
فحلق! مثلما تعطش فيّ الروح
 للروح، وصفق للنهارات التي ينسجها
ريشك، واهجرني إذا شئت...
حاول الشاعر في هذا المقطع أن يخلع عدداً من الصفات البشرية على طائر"الدوري"، وإلغاء ما بينهما من حواجز، فقد توحدت الذات الشاعرة بـ"الدوري" وتماهت معه، فكلاهما مشرد مؤرق، يتطلع لأن يَنعم يوماً بالحرية، وتلك هي رسالة الفن الحقيقي.
إن الحوار مع "الدوري" على الرغم من أنه جاء مباشراً، فإنه لم ينأ عن التقنية السردية، وإنما كان قادراً على الإفصاح عما يستأثر باهتمامه وما يشغل عالمه، وكان مرتبطاً برؤيته الإنسانية وتجربته الشعورية. فقد جعل من الحوار عصب القصيدة، وبؤرتها المحورية التي تتنامى من خلاله، وأثراه بفيض من التدفق والحرارة، فأصبح يموج بالحيوية والدلالات الخفية.
من يتأمل البناء الفني لهذا المقطع، يكتشف أن الحوار اضطلع بوظيفة تعبيرية موحية، إذ أدخل لوناً من الحركة الداخلية في بنية القصيدة، وجسَّد المغزى الكامن في المقطع، وأثار في الذات المتلقية مشاعر وأحاسيس كان من الصعب إثارتها بدون الحوار.
وقد منح الحوار الخارجي- الذي ورد في سياق يتناسب والأجواء السردية - قصيدةَ "أبد الصبار" طابعاً تشويقياً، لاسيما أنه ورد في المطلع الاستفتاحي للقصيدة، يقول الشاعر في مشهد درامي محتدم، استُحضر فيها صوت الأب كصوت رديف للذاكرة وللمعاناة وللرحيل والاغتراب والخيمة، جسَد فيه رحيل الآباء عن الوطن إلى بلاد المنافي والغياب، يقول في حوار بين الابن والأب(درويش،1995، ص32):
إلى أين تأخُذُني يا أبي؟
إلى جِهَةِ الريحِ يا ولدي...
أدى الحوار دوراً مهماً في رسم ملامح شخصية"الأب" وأبعادها، فبدا شخصاً واقعياً ذا نظرة ثاقبة، يمتلك بوصلة توجيه الابن إلى جهة المسير الواقعية، فهو يدرك أن الرحيل القسري عن الأرض والوطن هو رحيل الى اللاشيء (جهة الريح)، حيث تتبدد الكينونة والهوية، أي إلى الضياع والتشرد والانخلاع من الجذور(محجز. البنية السردية في قصيدة محمود درويش.http://www.alsdaqa.com).  
ثم انتقل النص إلى أسلوب السرد الذي يصور الأب وابنه، وقد تركا بيتهما في القرية مضطريْن، واستبدلاه بخيمة اللجوء في بلاد المنافي لبنان.
... وهُما يَخْرُجان مِنَ السَّهْل، حيثُ
 أقام جنودُ بونابرتَ تلاًّ لِرَصدِ
الظلال على سور عكا القديم
ويعود الشاعر مرة أخرى إلى أسلوب الحوار الخارجي، فينقل المحاورة التي دارت بين الأب وابنه الطفل:
 يقول أبٌ لابنه: لا تَخَف. لا
 تَخَف من أزير الرصاص!
 إلتصق بالتراب لتنجو!
أسهم الحوار في هذا المقطع في نمو الحركة الداخلية للقصيدة، وكان محوراً أساسياً في بنائها السردي، إذ بدأ الإيقاع مع البنية الحوارية سريعاً بعض الشيء، واتسم الخطاب الشعري بالإيجاز والتكثيف، دون أن يدخل في الجزيئات والتفاصيل، ثم يعود الإيقاع مع الوصف السردي إلى الهدوء والسكون والبطء، ثم ما يلبث النص المؤسس على الحوار أن يعود مرة أخرى إلى التدفق والتسارع بفعل انتقال القصيدة إلى جمل تميل إلى السرعة والتدفق؛ لكونها تقوم على عنصر الحدث الذي له أسئلة وإجابات. فضلاً عن أن تناوب الحوار والسرد وتداخلهما في تشكيل القصيدة يتولد عنه بلا شك تنوع البنية الإيقاعية، فالسارد يستخدم ببراعة تقنية الراوي المحايد، كأنه خارج الصورة، يستعيد تفاصيلها.
ب - الحوار الداخلي ( المونولوج ) :
في هذا المستوى من الحوار تنقسم النفس على ذاتها؛ لتدخل معها في حوار يجسد الحدث، وتعبر به الشخصية عن أفكارها المكنونة، دون تقيد بالتنظيم المنطقي، فخواطر الإنسان لا تقل أهمية أو دلالة عن كلامه أو أعماله، وتسجيلها واجب على الفنان، وهو يسهم في نمو الحركة الداخلية للقصيدة، ويعطيها بعداً درامياً مؤثراً.
المتفحص لنصوص هذه المجموعة الشعرية، يتبين له أن الشاعر قد أكثر من استخدام الحوار الداخلي في بنائه السردي؛ لوعيه بحقيقته، ولإدراكه بقوته الدافعة لآلية السرد، ويتبدى ذلك في عدد من القصائد التي بُنيت على تقنية الحوار الداخلي.
ومن صور الحوار الداخلي أيضاً قصيدة" كم مرة ينتهي أمرنا" التي جعل السارد فيها شخصية "الأب" تحاور نفسها بصوت مسموع دون أن تحتاج إلى مستمع يشاركها حالته الشعورية، يقول السارد مستخدماً ضمير الغائب (هو)، وكأنه خارج الصورة(درويش،1995، ص36 ،37):
يتأمل أيامه في دخان السجائر،
 ينظر في ساعة الجيب :
لو أستطيعُ لأبطأت دقاتها كي أؤخر نضج الشعير...
ويخرج من ذاته مرهقا نزقا :
جاء وقت الحصادْ
السنابل مثقلة، والمناجل مهملةٌ والبلاد
 تبعد الآن عن بابها النبوي.
...هل تكلمني يا أبي؟
أوحى الحوار الداخلي في هذا المقطع الذي بدأ بعد تمهيد انطوى على سرد متدفق جاء على لسان السارد؛ بحديث منفرد صاغه الشاعر على لسان شخصية "الأب" بأسلوب يغلب عليه الطابع السردي؛ لتعبر عن تجاربها وخواطرها بصورة أكثر حضوراً وتأثيراً في وجدان الذات المتلقية؛ الأمر الذي جعل الحوار يؤدى دوراً بنائياً مهماً مع بقية المكونات السردية في نقل تجربة الشاعر ورؤيته لواقعه الذي يطرحه، وقد عكس هذا الحوار تداخلاً بين السرد والحوار الداخلي والحوار الخارجي، إذ جسد تنوع الأصوات وتعددها وتداخلها: صوت الراوي، وصوت الابن، وصوت الأب، وهكذا تجلت وظيفة الحوار الداخلي في رسم أبعاد شخصية الأب من الداخل، بحيث تناسق الحوار مع الحالة النفسية لتلك الشخصية، وما تشعر به من خوف وقلق وحصار، إلى جانب كشفه للبعد النفسي للشخصيات وصراعها الداخلي الذي يأتي موازياً لما يحدث في الخارج، وبذلك وصل الشاعر بالخطاب إلى أقصى درجات التكثيف" كي يستجيب لشروط التلقي، وفتح ثغرات التوصل في أبنية الوعي والفكر"( فضل 1999، ص 127).
الخلاصة:
وبعد... فإن البنية السردية في مجموعة درويش الشعرية "لماذا تركت الحصان وحيدا" مثلت إحدى البنى الأساسية في تشكيل نصوصه الشعرية، وإن خطابه الشعري اتسم بنَفَس سردي تبدت فيه عناصر السرد وتقنياته بشكل واضح وجلي، وأن الشاعر درويش استطاع أن يغني الجانب السردي في مجموعته من خلال الإفادة من العناصر السردية الأساسية: كالحدث والشخصيات والأمكنة والحوار، فضلاً عن إفادته من توظيف التقنيات السردية من: مفارقة، واستهلال وختام سرديين، وتكرار، وتناص، وتنويع في استخدام ضمائر السرد، وتقطيع المشهدي وغيرها، وقد وفق الشاعر في تحقيق عنصر التشابك والتمازج بين الشعري التأملي والسردي، إلى درجة يصعب فيها فصم جزأيهما بعضهما عن الآخر.
أظهرت الدراسة أيضاً أن البنية السردية في مجموعة "لماذا تركت الحصان وحيداً" تمثل انعكاساً لرؤية الشاعر، وتفصح عما يختلج فيها من رؤى إنسانية، وتجارب شعورية، وأن قصائد هذه المجموعة تحتوي في مجملها على بنية سردية تدور أحداثها حول سيرة الشاعر الذاتية وسيرة شعبه ووطنه، وأنها نهلت من معين السيرة الذاتية لشاعر مبدع، ومثقف مشهود له بقراءاته الواسعة وتمثله للتراث الإبداعي للإنسان العربي، ونهلت أيضاً من معين سيرة الشعب الفلسطيني، وفلسطين التي استباحها اليهود، فبعثروا سكانها في أرض الشتات والمنافي.
قائمة المصــادر والمـــراجع:
أبو ديب، كمال.( 1987 ) . في الشعريّة، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربيّة.‏
إسماعيل، عز الدين. (1981) . الشعر العربي المعاصر، ط 3 . بيروت، دار العودة .
باشلار، غاستون. (1984) . جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، ط 2 .بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.
ثابت، عبلة.( 2009 ). البنيات التركيبية في الشعر الفلسطيني المعاصر، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة عين شمس.
التطاوي، عبد الله. (1984) . القصيدة الأموية رؤية تحليلية، القاهرة، مكتبة غريب.
حمودة، عبد العزيز. (2003 ). الخروج من التيه(دراسة في سلطة النص). عالم المعرفة(298 )، الكويت.
حميدة ، صلاح. (2008) . جمالياتالمكانفيديوان "لا تعتذر عمَّا فعلت" للشاعر محمود درويش، مجلة جامعة النجاح،(22)2: 465-0493
الخلايلة، محمد . (2004) . مراوغة اللغة: قراءة في نماذج من ديوان "لماذا تركت الحصان وحيداً" لمحمود درويش. مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة عدن، (7)13.
درويش، محمود .( 1994) . ديوان محمود درويش، ط14. بيروت، دار العودة، (1)
درويش، محمود .( 1994) . ديوان محمود درويش، ط14. بيروت، دار العودة، (2).
درويش، محمود. (1997) . لقاء أجرته معه رلى الزين، جريدة الأيام الفلسطينية، 28/5/1997،
درويش، محمود . (1995) . لماذا تركت الحصان وحيدا، ط 1.الريس للكتب والنشر، لندن.
زين الدين، ثائر. "الشعر الحديث يستعيرُ تقنيات السرد". www. arabicstory.net
الصكر، حاتم . (2008 ) . مداخل مقترحة لقراءة شعر محمود درويش، مجلة الشعر، القاهرة،(131)131.
عبيد، صابر (2005). رؤيا الحداثة الشعرية. ط1 . منشورات أمانة عمان الكبرى، عمان.
عصفور، جابر. ( 1996) . مجلة فصول، القاهرة (15)3 .
علوش، سعيد.( 1985 ) . معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، بيروت، دار الكتاب العربي.
عيسى، فوزي. (1997) . تجليات الشعرية، قراءة في الشعر المعاصر، منشأة المعارف، الإسكندرية.
فضل، صلاح . (1998 ). أساليب الشعرية المعاصرة، ط1 . القاهرة ، دار قباء.
فضل، صلاح . (1999 ). شفرات النص(دراسة سيميولوجية في شعرية القص والقصيد)، بيروت، دار الآداب. 
قطوس، بسام. (2000) . مقاربات نصية في الأدب الفلسطيني الحديث، ط1 . عمان، مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية
محجز، خضر. (2009). "البنية السردية في قصيدة محمود درويش، http://www.alsdaqa.com
موسى، إبراهيم.( 2004 ) . توظيف الشخصيات التاريخية في الشعر الفلسطيني المعاصر، مجلة عالم الفكر،
       (33)2،:130 - 160.
الموسى، خليل. "محمود درويش من الغنائية إلى الملحمية ومن المحلية إلى العالمية".  www.awu-dam.org  
نجم، محمد.( 1996 ) . فن القصة، ط 1 .عمان، دار الشروق للطباعة والنشر.
هلال، محمد.( 1960). دراسات ونماذج في مذاهب الشعر ونقده، القاهرة: دار نهضة مصر.
 
 
 
 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

1) asmaa
حقا جزاك اللة كل خير على الافادة

 
 
 
 

09.08.2008 هو اليوم الذي رحل عنا محمود درويش ويوم بقي معنا

29/07/2014 17:20:00


منحى العدمية في أعمال محمود درويش.. كتاب جديد للناقد أحمد دلباني

23/07/2014 19:41:00


دراسة نقدية لديوان الشَّاعر معين شـلبية : قلم: د. بطرس دلّة

18/07/2014 18:52:00


الشاعر معين شلبية / ذاكرة الشعر.. ذاكرة الوطن

18/07/2014 18:41:00


الناي خيط الروح محمود درويش وشكل الصوت الغنائي/ صبحي حديدي

18/07/2014 09:51:00


في حب الشاعر: "كل قلوب الناس جنسيتي"- بقلم د. فيحاء عبد الهادي

20/06/2014 12:20:00


دفاتر محمود درويش في حوار شامل- حاوره: عبده وازن

20/06/2014 11:54:00


مؤسسة محمود درويش تفتتح معرضا بعنوان "في عيونهن" امام الجمهور بحضور مجموعة من الكتاب والشعراء والفنانين

01/06/2014 23:01:00


"معمودية الحجر" في شعر محمود درويش / د. نبيل طنوس

23/05/2014 23:34:00


لو وُلِدتَ / محمود درويش - د. نبيل طنوس

04/05/2014 18:38:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 15

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة