New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

محمود درويش: إلا الحماقة…! صبحي حديدي

 

22/09/2015 21:44:00

 في حياته ـ وأترك، إلى مقام آخر ـ تفاصيل مماثلة شهدتها السنوات التي أعقبت رحيله ـ وقع محمود درويش (1941 ـ 2008) ضحية أنماط شتى من التعامل الأحمق مع قصيدته؛ سواء عن سوء نيّة وسابق تصميم وترصّد، أو عن حسن نيّة ناجم عن إفراط في التبجيل. وفي ذكرى رحيله السابعة، التي صادفت يوم أمس، التاسع من آب (أغسطس)، أجدني أسترجع نموذجين من تلك الحماقات؛ كلاهما ينتهي إلى المآل ذاته: إلحاق الإجحاف الشنيع بشخص الشاعر أوّلاً، وبشعره استطراداً.

الشيخ محمد سعيد رسلان أزهري طبيب، وحامل دكتوراه في علم الحديث، اعتاد الوعظ في مسجد قرية «سبك الأحد»، في مركز أشمون، محافظة المنوفية، في مصر. وهو سلفي، كما يعلن عن نفسه، له مؤلفات عديدة حول أفكار ابن تيمية وفتاواه؛ الأمر الذي لم يمنعه من التقلّب الدائم في المواقف السياسية، بين تأييد الإخوان المسلمين تارة، أو تأثيمهم طوراً بوصفهم «صنيعة للإنجليز والأمريكان»، وتأييد محمد مرسي رئيساً، ثمّ التنكّر له والاصطفاف خلف انقلاب عبدالفتاح السيسي. وذات يوم، خصص الشيخ خطبة كاملة لإثبات كفر درويش، والدعاء عليه بقطع اللسان، اتكاءً على السطور التالية من مجموعة «محاولة رقم 7»، 1973 (شيخنا يسمّيها «المحاولة رقم 7»):
ـ «هذا الذي يُسمّى محمود درويش، وهو عضو الحزب الشيوعي الفلسطيني، ويُقال إنه شاعر المقاومة»، هكذا يستهلّ الشيخ خطبته، ثمّ يقتبس درويش: «كلّ قاضٍ كان جزّاراً/ تدرّج في النبوءة والخطيئة/ واختلفنا حين صار الكلّ في جزء/ ومدينة البترول تحجز مقعداً في جنة الرحمن/ فدعوا دمي ـ حبر التفاهم بين أشياء الطبيعة والإله/ ودعوا دمي ـ لغة التخاطب بين أسوار المدينة والغزاة/ دمي بريد الأنبياء». ثمّ يقتبس سطراً إضافياً، يستفظعه إلى حدّ تكراره: «فسبحان التي أسرت بأوردتي إلى يدها»؛ ثمّ يقتبس المزيد: «وها نحن بين الطهارة والإثم شيئان يلتحمان وينفصلان/ كأنّ الأحبّة دائرة من طباشير/ قابلة للفناء وقابلة للبقاء/ وها نحن نحمل ميلادنا مثلما تحمل المرأة العاقر الحلما/ وها أنت مئذنة الله حيناً/ وقبعة لجنود المظلات حيناً/ كانت صنوبرة تجعل الله أقرب/ وكانت صنوبرة تجعل الجرح كوكب/ وكانت صنوبرة تنجب الأنبياء».
شيخنا الهمام حرّ في تأويل شعر درويش كما يشاء، وأياً كانت مقادير السطحية والتسطيح، أو الجهل والتجهيل، أو التزييف والتشويه والإفساد، في تأويلاته. له، أيضاً، أن يذهب أبعد، فيجزم بأنّ هذه الأمثلة «فيها ما فيها من التطاول غير المسبوق على مقام الألوهية، ومقام النبوّة، ومقام القرآن العظيم».
ما ليس من حقّ الشيخ ـ المؤمن، لا ريب، بالحديث الشريف: من غشّنا ليس منّا ـ هو أن يعبث بالشعر الذي يقتبسه، فيقدّم ويؤخّر ويجتزئ ويقتطع… حيثما قادته غريزة التكفير، إذا جاز التعبير، إلى مفردة تنفع في تصيّد الكفر: نبوءة، الرحمن، الإله، الأنبياء، الطهارة، الإثم، الفناء، العاقر، مئذنة الله… ليس من حقّ الشيخ، أيضاً، أن يسخّف الفصحى، لغة القرآن في نهاية المطاف، فيسجن معانيها الرحبة في خرم إبرة، ويُفقر دلالاتها ويهبط بها إلى أسفل سافلين.
النموذج الثاني قدّمته للإنسانية صحيفة «الثورة»، السورية الحكومية، وسبق لي أن أشرت إليه هنا؛ حين شاءت تكريم درويش، فترجمت شعره من العربية إلى… العربية! تلك كانت حال قصيدة «طباق»، مرثية درويش لصديقه الراحل إدوارد سعيد، التي قرأها الشاعر في عمّان، صيف 2004؛ ونُشرت بعد ذلك في صحيفة «الدستور» الأردنية، و»المستقبل» اللبنانية (التي كانت تُوزّع في سوريا)، ثمّ في عشرات الصحف العربية والمواقع على شبكة الإنترنت؛ كما ألقاها درويش، في مناسبات لاحقة عديدة. لكنّ أياً من عباقرة «الثورة» لم يسمع بالقصيدة، حتى اكتشفها أنيس المهنا في «الأهرام ويكلي»، التي تصدر بالإنكليزية، فلم ينتبه إلى عبارة «ترجمة منى أنيس» أسفل القصيدة، فاعتبر أنها إنما كُتبت بالإنكليزية أصلاً، وترجمها إلى العربية!
هنا بعض الأمثلة الكارثية في «الترجمة»:
ـ يقول درويش: «أدافع عن شجر ترتديه الطيور»، ويترجم المترجم: «أدافع عن البلاد والمنفى/ في طيور شجرة مكتظة الأوراق»!
ـ درويش: «وأكتب: ليس الجمالي إلا بلوغ الملائم»، والمترجم: «فالجمال يكمــــن في الوصــــول برباطة جأش»!
ـ وخذوا هذه الفريدة، التي حوّلت الخصية إلى رصاصة! يقول درويش: «وأمّا أنا فحنيني صراع على/ حاضر يمسك الغــــد من خصيتيه»، فيترجمـــها صاحبــــنا هكذا: «حنيني كفـــاح من أجل حاضر/ ســنملكه غداً بالرصاص»!
ـ والمترجم، الذي حذف 65 سطراً، يتبرّع فيزيد على النصّ من عندياته. يختم درويش: «وداعاً/ وداعاً لشعر الألم!»، ويترجم صاحبنا: «منشغلاً.. باحتفال وداعي…./ الوداع… أدوار/ إنها قصيدة الألم الوداعية…»!
وهكذا، يذكّرنا الشيخ رسلان، كما تفعل «الثورة»، بما اهتدى إليه جدّنا أبو الطيب المتنبي: عن الحماقة، التي ليست مثل أيّ داء، لأنها أعيت مَنْ يداويها!

صبحي حديدي



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 32

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة