New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

محمود درويش ينام فوق تلة شاهقة تطل على القدس- موسى برهومة

 

08/01/2016 05:08:00

موسى برهومة

 

سقطت قلاع قبل هذا اليوم.. لكن الهواء الآن حامض

 

كان لمحمود درويش ما أراد، وتحقق له ما اشتهى عندما أوصى قبل ستة وعشرين عاما بأن تكون جنازته "حسنة التنظيم، يضعون فيها الجثمان السليم، لا المشوه، في تابوت خشبي ملفوف بعلم واضح الألوان الأربعة".
الطائرة الإماراتية التي حملت جثمانه أمس وحطت في مطار عمّان المدني ظلت وفية لإرث الشاعر. والكلمات التي ألقيت كانت بلسان مذيع "قليل الثرثرة، قليل البحة، وقادر على ادعاء حزن مقنع"، كما راح يخط في كتابه "ذاكرة للنسيان" الصادر في بيروت 1982، تحت عنوان" وصية الشاعر المبكرة.. لمن يهمه الأمر".
قال درويش "أريد أكاليل من الورد الأحمر والورد الأصفر. لا أريد اللون الوردي الرخيص ولا أريد البنفسج لأنه يذيع رائحة الموت. أريد جنازة هادئة، واضحة، وكبيرة ليكون الوداع جميلا وعكس اللقاء. فما أجمل حظ الموتى الجدد، في اليوم الأول من الوداع، حين يتبارى المودعون في مدائحهم. فرسان ليوم واحد، محبوبون ليوم واحد، أبرياء ليوم واحد.. لا نميمة ولا شتيمة ولا حسد. حسنا".
واستمر درويش في الوصية يخاتل الموت ويهزأ به كما ظل يفعل في أشعاره اللاحقة جميعها: "أريد جنازة وتابوتا أنيق الصنع أطلُّ منه، كما يريد توفيق الحكيم أن يطل، على المشيعين".
وما انفك محمود درويش في كتاباته يراود الأبدية البيضاء ويرصد اللحظات القليلة من بقايا الحياة ويعد سيناريوات لموته مطعما التفاصيل بمذاق مخيلة جامحة ومفتوحة على التهلكة.
في "أثر الفراشة" يتساءل:
"إذا قيل لي: ستموت هنا في المساء
فماذا ستفعل في ما تبقى من الوقت؟
­ أنظر في ساعة اليد
أشرب كأس عصير
وأقضم تفاحة
وأطيل التأمل في نملة وجدت رزقها..
ثم أنظر في ساعة اليد:
ما زال ثمة وقت لأحلق ذقني
وأغطس في الماء/ أهجس:
"لا بد من زينة للكتابة
فليكن الثوب أزرق"....
اجلس حتى الظهيرة، حيا، إلى مكتبي
لا أرى أثر اللون في الكلمات
بياض، بياض، بياض...
أعد غذائي الأخير
أصبّ النبيذ بكأسين: لي
ولمن سوف يأتي بلا موعد
ثم آخذ قيلولة بين حلمين
لكنّ صوت شخيري سيوقظني...
ثم أنظر في ساعة اليد:
ما زال ثمة وقت لأقرأ
أقرأ فصلا لدانتي ونصف معلقة
وأرى كيف تذهب مني حياتي
إلى الآخرين، ولا أتساءل عمن
سيملأ نقصانها
­ هكذا؟
­ هكذا،
ثم ماذا؟
­ أمشط شعري
وأرمي القصيدة: هذي القصيدة
في سلة المهملات
وألبس أحدث قمصان إيطاليا
وأشيّع نفسي بحاشية من كمنجات إسبانيا
ثم أمشي
إلى المقبرة!".
أمس، أطل صاحب "ورد أقل" على الدنيا عبر شاشات التلفزة التي نقلت وقائع الجنازة التي ضاهت في حجمها واتساعها وكثافة المشاركين فيها جنازة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
محمولا بطائرة عسكرية أردنية ارتحل الشاعر من عمّان التي أقام فيها إلى وطنه بعدما شيعه أصدقاؤه المثقفون الأردنيون واللبنانيون والعرب. واستمع درويش إلى حشرجة صوت مارسيل وهو يغني "يطير الحمام، يحط الحمام" والتي يكملها درويش:" أعدّي لي الأرض كي أستريح، فإني أحبّك حتى التعب".
فها هو الشاعر المضمخ بالدمع والورود يستريح في تابوت لف بعلم بلاده التي لطالما دعا المحتلين أن يخرجوا من مائها وملحها وهوائها.
واستقبلته رام الله بكل ما فيها من ألم وشغف وراحت تهدد روحه وتلهو بخصلات شعره المنسدل على جبينه:
"فنم يا حبيبي ليصعد صوت البحار إلى ركبتيّ
ونم يا حبيبي لأهبط فيك وأنقذ حلمك من شوكةٍ حاسدة
ونم يا حبيبي عليك ضفائر شعري، عليك السلام
يطير الحمام
يحطّ الحمام"
وينهض درويش من غفوته ويرد على حبيبته الأرض:
"لأني أحبّك يجرحني الظلّ تحت المصابيح،
يجرحني طائرٌ في السماء البعيدة،
عطر البنفسج يجرحني أوّل البحر يجرحني
آخر البحر يجرحني".
وكان التابوت المرصع بالشجن خاليا من البنفسج "لأنه زهر المحبطين، يذكر الموتى بموت الحب قبل أوانه".
درويش بدا فرحا في عمّان وهو يصغي إلى أنين محبيه الذين رووا روحه بالمحبة والأمل، وأيقظوا النائم من غفوته ودعوه أن ينهض كما راح يخاطبه صديقه عضو الكنيست الإسرائيلي أحمد الطيبي بعينين فيّاضتين بالدموع:
إنهض.. إنهض..
فلسطين كلها والعرب
تحمل قلوبها إليك.. لتنهض..

 

 

حاصر حصارك.. إقهر مرضك
وانهض..

 

 

قم من نومك المؤقت..
انتفض..وانهض

 

 

لا تغادرنا قبل أن ترتوي
بقهوة أمك.. وقبل أن
تعود أبداً لحيفا..

 

 

الجبل ينتظر.. والزيتون
الوديان تصبو.. والسنديان

 

 

"وعندما أغلقوا باب قلبي عليّ
وأقاموا الحواجز فيّ
ومنع التجول.. صار قلبي حارة
وضلوعي حجارة..
واطل القرنفل.. واطل القرنفل"

 

 

إذ جاءك الموت قل له:
ليس موعدنا اليوم.. فلتبتعد
وتعال غداً أو بعد غدٍ..

 

 

يا لاعب النرد تسألنا: من أنا ؟
أنت نحن.. كلنا
أنت سرمدية الأسطورة
وجمال فلسطين وعبق العروبة
أنت اللانهاية..أنت نور النفق

 

 

يا لاعب النرد...
تسألني طفلتي الصغيرة:
من سيلقي عليّ الوردة الحمراء
بعد اليوم ؟

 

 

إنهض.. إنهض محمود

 

 

فالحاكورة وشجراتها... زيتونها
وسنديانها تسأل..
أين رفيق الدرب..؟

 

 

قلت: ما أقساها الحروب.
يموت الجنود ولا يعرفون من انتصر!
فمن سيكتب قصيدة النصر غيرك؟

 

 

ما أقساك أيها المرض.
تغفو ولا تعرف حجم الدموع
تغيب فجأة ولا تعرف كم هو الحب لك!
أو أنك تعرف..
وكأنك قد مُتُّ قبل الآن....
تعرف هذه الرؤيا، وتعرف أنك
تمضي إلى ما لست تعرف، ربما
ما زلت حيّا في مكان ما، وتعرف
ما تريد...
ستصير يوما ما تريد".

 

 

انهض واصرخ في وجهنا:

 

 

غبت قليلاً كي أعود.. وأعيش
ولتحيا فلسطين..
فألقي عليكم وردتي الحمراء".
وفي رام الله التي طبعت أكثر من خمسة آلاف علم عليها صورة محمود درويش، أصغى صاحب "مديح الظل العالي" إلى صديق دربه وأخيه الذي لم تلده أمه سميح القاسم وهو يجهش بالألم والسخط من الاحتلال الإسرائيلي الذي حال دون أن يوارى جثمان الشاعر في بلدته البروة، وبالتحديد بجوار شجرة الخروب الواقعة بين الرامة وحيفا التي كان درويش يختبيء في جذعها العملاق المجوف من المطر والأهل.
القاسم كان أهدى رفيق عمره قصيدة استذكر فيها الحاجة حورية والدة محمود درويش "تعانقني أمنا أم أحمد. في جزع مرهق بعذاب السنين، وعبء الحنين، وتفتح كفين واهنتين موبختين. وتسأل صارخة، دون صوت. وتسأل اين أخوك؟ اجب لا تخبىء علي. أجب أين محمود؟ أين أخوك؟ تزلزلني أمنا بالسؤال؟؟ فماذا أقول لها؟".
وفي رام الله استقبل جثمان درويش الخالي من أزهار البنفسج في مقر الرئاسة بالمقاطعة، حيث صلي عليه وخرج بعدها محمولا على عربة مدفع إلى قصر الثقافة في جنازة مهيبة أطلقت خلالها إحدى وعشرون طلقة تحية لجثمان الشاعر الذي أنشد للحرية والحب والمقاومة والحياة.
أمس في عمّان ورام الله وسائر جهات الأرض "نام القمر على خاتم ينكسر وطار الحمام".
نام محمود درويش فوق تلة شاهقة تطل على القدس
"وحطّ على الجسر والعاشقين الظلام".

 

 

المستقبل - الخميس 14 آب 2008

 

 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 4

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة