حيث يعيش الظل - جمانة حداد         لم يقل درويش يوماً قدسوني / فراس حاج محمد         السر في حياة محمود درويش / حسن خضر         مؤسسة محمود درويش للإبداع الجليل تطلق مهرجان الشعر الرابع         محمود درويش بلسان أصدقائه         الهوية والغيرية في ديوان أحد عشر كوكباً / د. رابعة حمُّو         كتاب "أنا الموقع أدناه محمود درويش" المؤلفة : إيفانا مرشليان         لا تعتذر عمّا فعلت/ جمال الدين حشاد         
 
 
New Page 1

     شعراء وكتّاب

New Page 1

محمود درويش: العلامة المسافرة عن تجربة السينما الشعرية عند طلال خوري ونصري حجاج

 

12/09/2011 04:51:00

نصري حجاج مخرج فيلم «ظل الغياب»

 بقلم عبداللطيف عدنان

كان مهرجان هيوستن لفلسطين والسينما HPFF في أبهى تألقه هذه السنة. أكد هذا المهرجان في دورته الرابعة على التزامه بالقضية الفلسطينية في تمحوره على الخطاب السمعي البصري المحيط بها، بمختلف وسائطه من الشريط القصير، والشريط التسجيلي إلى الفيلم الروائي. كما برهن كذلك على الحس النقدي والحساسية الجمالية لمنظميه. فمواد المهرجان تطرح القضية الفلسطينية كهمّ ٍ تاريخاني، أي كقضية تتداخل وتتحاور مع قضايا إنسانية أخرى، آنية وماضية، محلية، وعابرة لحدود أخرى. وكما دأب المهرجان منذ بدايته في ربيع 2006 أتحف مرة أخرى جمهور هيوستن بفعاليات تجمع بين الترفيهي والتثقيفي، وتزاوج بين السينما وأشكال فنية أخرى، كالموسيقى والرقص الاستعراضي والفنون الأدبية خصوصا منها الشعر. مهرجان هيوستن لفلسطين والسينما لم ينجح فقط في تحويل الأنظار إلى القضية الفلسطينية في أرضية ثقافية وسياسية تتسم بخطاب أحادي وسلبي تجاهها، بل حقق خطوة مهمة في جعلها تجربة جمالية بصوت إنساني يجد صداه في تضاريس قضايا إنسانية أخرى.
كان اختيار اللجنة المنظمة للمهرجان لبرنامج دورة هذه السنة موفقا، ولافتا للانتباه بكل المقاييس. فمواد البرنامج عبارة عن فسيفساء تجمع بين الصورة المحفزة لإيليا سليمان، وشعر محمود درويش، وورقات نقدية وجلسات نقاش، ختمتها بلوحة رقصية محلية من الفلكلور الأزتيكي، تخللتها قراءات من قصيدة درويش ' خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة، أمام الرجل الأبيض' في حيوية إيحائية وتوليدية متساوقة، زادت في بعدها الرمزي الترجمة الانكليزية، والإلقاء الرائع للشاعر والمترجم فادي جودة. اختيار كهذا، حين ينم عن رؤية واعية بظرفية القضية وطبيعة المتلقي، هو ما جعل اللجنة المنظمة محط تنويه داخل الاوساط الاعلامية المحلية، حيث اختارت مهرجان هيوستن لفلسطين والسينما كأفضل مهرجان في السنة على صعيد حاضرة هيوستن الكبرى.
إنه نوع من المفارقة أن تكون مدينة هيوستن التي لفظ فيها الشاعر محمود درويش أنفاسه الأخيرة، أول محطة ينزل فيها هذا الهرم كعلامة ثقافية عابرة لحدود الجغرافيا والتاريخ. حضر محمود درويش كقصيدة ورمز وترجمة. والاهم من هذا، حضر كصورة سينمائية تخلده في حاضر الصورة المتحركة لأجيال قادمة من خلال عملين متميزين هما الفيلم القصير ' 9 آب' من إخراج طلال خوري، وفيلم ' كما قال الشاعر' والذي أخرجه نصري حجاج.

- محمود درويش سينمائيا:

قد يكون محمود درويش الشاعر العربي أو العالمي الوحيد الذي حظي بأكبر احتفال واحتفاء داخل السينما، سواء محلية أو عالمية. ففي فيلم ' القدس في يوم آخر' لهاني أبوأسعد، يحضر محمود درويش على شكل قصيدة تدخل في حوارية، كنص مواز، مع النص السينمائي لتكثف هذه الشحنة الدلالية لخطابه المتمحور حول تيمة الأمل والصمود في وجه الحصار. أما في فيلم ' خصوصيPrivate'، من إخراج الإيطالي سافيريو كوستانسو، فيتكرر على لسان البطل هذ البيت الاشكالي في بعده الفلسفي الوجودي، إما أن نكون أو لا نكون، من قصيدة ' مديح الظل العالي'، ليصير هو ' اللايتموتيف' النواة التي تنبني عليها عملية التشبث بالمكان كمقاومة. حضور محمود درويش، كشخص بدوره التاريخي في فيلم ' موسيقانا' للرائد السينمائي جون ليك غودارد، كان بمثابة الشفرة الثقافية داخل خطاب التصادم الحضاري. كان هذا الحضور ضروريا في الخطاب المضاد والمسائل لعملية التأويل الثقافي والحضاري الذي يخدم وجهة نظر التعسف الكولونيالي. فمسرحة مقطع من قصيدة ' خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض' داخل هذا الفيلم، كانت عبارة عن مقابل درامي لطروحات الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو، والذي يحضر هو الآخر بثقله الرمزي والثقافي في ' موسيقانا' في سوق البنية المتكررة للثقافة المحيطة بالتعسف الكولونيالي. ينسف خوان غويتيسولو الخطاب الكولونيالي بالتعرية على وظيفته الأساسية التي تكمن في الطمس الحضاري والتحريف التاريخي كمكمل للإبادة العرقية وعملية الطرد والجلاء، وكل ما من شأنه التسلط على الآخر، ومصادرة حقه الحضاري في الوجود والاختلاف. نسج جون ليك غودارد، ببراعة تجمع بين العرض والتسجيل، شبكة من التعالقات التي تجمع شعر درويش، خصوصا في ديوانه ' أحد عشر كوكبا'، وأطروحة خوان غويتيسولو- مثلما حاكها من قبله إدوارد سعيد وكارلوس فوينتس - فيما يخص تكرر البنية التعسفية على مدى التاريخ وفي المد الجغرافي بنفس الخطاب الايديولوجي المتكئ بقوة على الخطاب الديني، وبنفس الآلية العسكرية، وانتهاء بخطاب ثقافي جديد يطوع التاريخ لصالح الطرف المتعسف.
ما يجمع هذه العينات السينمائية التي ذكرنا، وأخرى لم نذكر، هو تعاملها مع محمود درويش كالشاعر الشخص الذي تحول إلى الشخصية الرمزية. وهو ما يعني دخول محمود درويش في الأبجدية السينمائية المحيطة بخطاب التعسف الكولونيالي كعلامة ثقافية بالمفهوم اللساني لهذه الكلمة.
في هذه النقطة تتميز تجربة المخرجين طلال خوري ونصر حجاج عن هذه التجارب السابقة وعلى أكثر من مستوى. فمن الناحية الإنتاجية، جاء الفيلم القصير ' 9 آب' والفيلم التسجيلي ' كما قال الشاعر' غداة رحيل الشاعر محمود درويش. الفيلمان إذا يشكلان الاحتفاء السينمائي بهذا الشاعر العظيم وإضافة أخرى لسيل الاحتفاءات التي اعتمدت وسائط فنية أخرى كالفوتوغرافيا، والموسيقى، وخصوصا منها اللغة بكل أنواع قولها الابداعية من شعر ومقالة.
تجربتا طلال خوري ونصر حجاج تتميزان كذلك من الناحية النصية. كلاهما يتناول محمود درويش سينمائيا لا كعلامة ثقافية فقط ولكن من داخل هويته الثقافية، أي كشاعر. ' 9 آب' و' كما قال الشاعر' هما عبارة عن مجازفة سينمائية مع شعر درويش أكثر من مجرد توظيف لدرويش كشخص أو كشفرة مثقلة بالدلالة في الخطاب السياسي والتاريخي، وإن لم يغب هذا البعد الوظيفي. في هذه المغامرة السينمائية كان الشعر، أكثر من شخص الشاعر، هو المحدد الأول لطبيعة المادة المضمونية والصياغة الشكلية للصورة، وهو العامل الرئيسي في الرهانات الأسلوبية التي ارتآها كل مخرج على حدة، برؤيته الخاصة وحساسيته لمادة محمود درويش الشعرية.
والجدير بالإشارة هو كون الفيلمين ينطلقان من شعر درويش، فيشكلان بالضرورة قراءة خاصة لهذا الشعر بكل ما تحمل كلمة القراءة من معنى على مستوى التلقي الأدبي، كتوليد للدلالة، وعلى مستوى الابداع السينمائي من تحويل وإعادة صياغة، أو ترجمة سمعية بصرية، وكل ما اصطلح عليه، ولو تعسفا، بعملية الاقتباس. قراءة طلال خوري ونصر حجاج تدخل إذا في مجال الحوارية بين النص السينمائي والنص الأدبي. لكن ما يميز هذه الحوارية كتداخل نصي ـ خصوصا عن التجارب السابقة التي ذكرنا أعلاه والتي هي الاخرى تتموقع في مجال التناص ـ هو هذا التحاور الاسلوبي المقصود. فأكثر من كونهما يعتمدان شعر محمود درويش كأساس بدرجات متفاوتة، فإن فيلم ' 9 آب' و' كما قال الشاعر' ينتميان إلى ما يسمى بالسينما الشعرية.

السينما الشعرية: كلمة في السينما والشعر

عادة ما تفهم السينما الشعرية كهذه السينما التي تتطرق إلى الشعر كتيمة بارزة داخل الحبكة الدرامية. أفلام مثل ' ساعي بريد' نيرودا و' حلقة الشعراء المفقودين' أفلام شعرية. أفلام من هذه الشاكلة وإن جاءت مثقلة بالشعر في الحوار أو الحبكة السيناريوية، فإنها لا تحتسب على السينما الشعرية بكونها تتطرق إلى دور الشعر في بناء الشخصية، أو إلى تناولها في السيناريو والحوار لخاصية من خاصيات الشعر كالمجاز والصورة الشعرية. أفلام من هذه العينة التيماتية لا تعتمد الشاعرية في الطرح وأسلوب المعالجة السينمائية بشكل صريح مثل ما تعتمدها أفلام قد لا تتطرق إلى موضوعة الشعر بالبتة، كأفلام إنغمار بيرغمان، مارك فيرير، أو راينر فايسباندر، وبشكل أدق أفلام الروسي أندري تاركوفسكي رائد السينما الشعرية بكل امتياز.
مبدئيا، وحسب بيير باولو بازوليني، هذا السينمائي المنظر الذي لا يمكن الاستغناء عنه في سياق السينما والشعر، لكل عمل سينمائي نصيب من الشاعرية. فالسينما، حسب بازوليني، لا يمكنها ان تتفعل لغويا داخل مهمتها التواصلية دون الاعتماد على خلق مستمر لصور متجددة، هي عبارة عن استعارات ومجازات للواقع الذي تود إيصال فحواه للمتلقي. فالسينما والشعر يجتمعان بالضرورة على الاستعارة في المهمة التواصلية. لكن عكس الشعر الذي يبقى ضربا من ضروب القول parole بالنسبة للغة langue ، تفتقر السينما إلى قاموس لغوي كالذي تمتلكه اللغة، وهذا ما يجعلها في حاجة إلى خلق مستمر لصور جديدة بالمعنى المجازي أي figure. وكما قال بازوليني، فالسينمائي لا يملك قاموسا وإنما لا نهاية من الامكانيات في خلق صور جديدة. بتعبير آخر، حين يتميز عمل الكاتب بكونه إبداعا جماليا ينبني على نسق بلاغي/ لغوي متفق عليه، يكون عمل السينمائي أولا لغويا تواصليا ثم بالتالي إبداعا جماليا. وهذا ما يجعل من الخطاب السينمائي خطابا مزدوجا: فهو تواصل بصري وفي نفس الآن تواصل جمالي مشحون بحمولة شعرية. مفهوم الصورة السينمائية حسب بازوليني مفهوم مزدوج الدلالة فهي الصورة بمفهوم image والصورة بمفهوم .figure هذه الازدواجية تفرض نفسها حتى على مستوى القراءة في الطرف الآخر عند المتلقي. فالمتلقي السينمائي يعتمد هو الآخر في تواصله مع المؤلف نوعا من القراءة تتجاوز المستوى الاستكشافي إلى المستوى الاستدلالي، قراءة تعتمد التحفيز ومساهمة المتفرج المتلقي في التحليل والتفكيك والتأويل سواء للانزياحات المضمنة في عملية نقل الواقع، أو تلك التي قصدها المخرج كتنويعة أسلوبية مجازية. في هذه الحالة يصبح طقس القراءة الفيلمية عملية مثيلة للقراءة الشعرية.
علاقة السينما بالشعر هي إذا علاقة كينونة. فاللغة السينمائية هي أساسا لغة شعرية. فهي من جهة مبنية على نظام من العلامات اصطلح عليه بازوليني بالعلامة الصورة، تنقل الواقع كما تنقل الدواخل الانسانية المكنونة في الذاكرة والحلم. بالتالي فهي لغة للتواصل مع الذات. وفي ذاتية العلامة الصورة يجد بازوليني أعتى درجة للشاعرية. ومن جهة ثانية، كعلامة تواصلية بالمفهوم اللغوي، تفتقر العلامة الصورية إلى عنصر المفهوم لأنها لغة جمالية لا يمكنها التعبير مباشرة على حمولة مفهومية كاللغة الفلسفية. في افتقارها لهذه القدرة التعبيرية الكامنة في عنصر المفهوم تتفعل اللغة السينمائية على مستوى تعبيري مجازي بالدرجة الأولى.
بناء على ما سبق، الخطاب السينمائي، والذي عادة ما يؤخذ على السردية النثرية، هو درجات متفاوتة من الشاعرية مؤشرها في القياس هو طبيعة المجاز. يستعصي هذا الخطاب تواصليا حسب التنويعة المجازية كما يستسهل ويستساغ حين يعتمد استعارات مستهلكة تدخل مجال الدلالة في قالب اللغة ـ ولا ننسى هنا طرح نيتشه بالنسبة للغة ككل كشبكة من الاستعارات المستهلكة. بناء على نوعية الاستعارة كوحدة دلالية في التعبيرية السينمائية يأخذ العمل السينمائي اتجاهه نحو النثر السردي أو السرد الشعري الذي يتسم بالغموض وعدم خضوعه لقالب السردية الروائية المنمطة. في كلا الاتجاهين يبقى عنصر الشعرية متضمنا. هذا العنصر يقل حضوره في فيلم منمط على النموذج الهوليوودي مثلا، ويحضر بشكل عنيف في الفيلم القصيدة. والفيلم القصيدة في اعتبار أندري تاركوفسكي ليس سوى هذا الفيلم الذي ينزاح عن السردية المباشرة ولا تخضع حبكته لأي منطق متعاقد عليه مسبقا بين المؤلف والمتلقي بصيغ متكررة.
في النص السينمائي ' 9 آب' والفيلم التسجيلي ' كما قال الشاعر' نجد تعبيرية ملموسة ومجسدة للمفاهيم والآراء المحاطة بالسينما الشعرية، أو السينما في علاقتها مع الشعر بصفة عامة. نجد في المتنين سينماتوغرافية غنية بالتعبيرية المجازية على مستوى الاسلوب، يزيد من كثافتها اعتمادها الصريح أرضية شعرية بالدرجة الاولى. فنحن هنا أمام نموذجين من السينما الشعرية قلبا وقالبا، شكلا وجوهرا، قصدا من جانب الكتابة ومقصودية من جانب المؤلف الذي يعلن منذ البداية اشتغاله على نص شعري بالدرجة الأولى.

طلال خوري: ' 9 آب' الفيلم القصيدة

انطلاقا مما سبق يمكن مقاربة الفيلم القصير ' 9 آب' كفيلم قصيدة. هذا الفيلم الذي لا تتجاوز مدة عرضه خمس عشرة دقيقة يعتمد من بدايته إلى نهايته هذه الأسلوبية التي تجد مصدرها في الالهام الشعري. انتماء هذا الفيلم مبدئيا إلى شريحة الفيلم القصير يجعله يرصف في خانة السينما الشعرية. فالفيلم القصير يتسم اسلوبيا بالاقتصاد، الكثافة، الانزياح، والتلويح وكل التلاوين التعبيرية التي تعتمد بلاغة التلميح عوض التصريح المفصل، وكلها صفات نجدها في اللغة الشعرية.
يستند الفيلم على نص شعري لمحمود درويش هو واجب شخصي من ديوان عبء الفراشة. يروي الفيلم بطريقة إيحائية قصة بطل يشيع لمثواه الأخير. عبر الموسيقى المصاحبة ذات النغمة العربية، وبعض هتافات المشيعين المرددة لكلمة ' يا بطلِ' بنبرة شامية يمكن أخذ فكرة عن ملابسات هذا الحدث وموقعته في سياق شرق أوسطي وفي لبنان بالذات. هوية هذا البطل يمكن أن تكون معممة على كل من سقط ضحية للصراع الذي تعرفه المنطقة، وإن كان إفصاح المخرج طلال خوري بالهوية الواقعية لهذا البطل، عاملا خارجياً مساعداً خصوصا لمكانة الشخصية في الواقع العربي، وهو الكاتب الصحافي الملتزم سمير قصير.
شكل مشهد الجنازة النواة الأصلية للحكاية والسرد، وتفرعت منها فصول يدخل بعضها في محور الواقعي التاريخي وبعضها في محور المجاز والرمزية. في المحور الأول، نقطة بدايته، نقف على أحداث مرتبطة بالواقع الفردي للبطل، كعلاقة الحب والحرص التي تعبر عنها الزوجة. في هذه العلاقة يحضر هاجس الموت المتمثل في التدخين. ويبدو جليا حرص الزوجة على حياة زوجها بنثر سيجارة من فمه ورميها. في هذا المحور كذلك تبدو بصمة التاريخ على هذا الواقع ، حيث تحضر تيمة الموت في مشاهد الدمار الناتج عن الآلية العسكرية. في المحور الواقعي والتاريخي يأخذ الموت بعدا قدريا ويتفعل كحتمية لا مفر منها: في هذه الحتمية تتلاشى الحدود بين الطبيعي والاصطناعي. البطل ملاحق بالموت سواء كان السبب في الوعكة الصحية أو الآلية العسكرية. في هذه التيمة يجتمع الفردي الحميمي والجماعي التاريخي، فيتحول الموت إلى بطولة. في المحور الأول اعتنى المخرج بالمركبات البصرية التي من شأنها خلق انطباع الواقع، والتحفيز الواقعي الذي يجعل المتلقي يعيش الطقس سينمائيا كما يعيشه واقعيا، تأتي عناصر تنتمي للشريط الصوتي كتجويد القرآن المنبعث من مصدر داخل الحكاية ليعطي لهذه الجنازة بعدا قدسيا كالشهادة.
في المحور المجازي والرمزي، تتضافر عناصر سينماتوغرافية مع العناصر النصية في تأثيث البعد الرمزي للحدث. وتتأتى هذه العملية عبر البنية الموسيقية للفيلم، التوليف، التنوع في سلم اللقطات، حركة الكاميرا، والإنارة. هذه السينماتوغرافية تستجيب للسردية المضادة التي تشرذم الحدث من دون محددات زمنية، وتجعل الماضي يتداخل مع الحاضر والواقعي يتوالف مع الخيالي بشكل يصعب الفصل بينهما. كسمفونية، يبدأ شريط ' 9 آب' بنفس اللقطة التي ينتهي بها. فقط في النهاية ومن مصدر صوتي خارج حكائي نسمع قراءة شعرية لمقاطع من قصيدة واجب شخصي. عبر هذا التداخل النصي مع القصيدة بكل أبعادها الاستقرائية تدخل القصة السينمائية هي الأخرى في أفق الرمزية، والذي من خلاله تصبح تيمة البطولة مجالا جامعا لمفارقات الآني والمستهلك مع الأزلي والأيقوني. عبر الكناية الصوتية التي تحيل على الزمن بالأحجار التي ترميها يد البطل في متوالية وقتية، ميترونوم، قد تكون دقات الساعة أو دقات القلب ، نقف على عنصر الزمن والوقت الذي يتدخل في حسم قدر كل بطل وإبادة بطولته للزوال. شخصية البطل الذي يبدو هو من يتحكم في صنع حياته الأسطورية وموته التراجيدي، يعتريها هي الأخرى هذا الغموض القدسي بتواجدها داخل مغارة أو كهف بكل أبعاد هذا الحيز في الميتولوجيا الدينية.
تتداخل لقطات ' 9 آب ' عبر توليف بطيء يوحي بمرور الزمن، وفي نفس الوقت يجعل التجربة تبدو وكأنها تنتمي للحظة تمتد إلى الحاضر. فالعملية التوليفية المعتمدة على التلاشي للقطة في أخرى diolve تمتزج مع تقطيع داخل الإطار نفسه، حين تتم النقلة عبر نفس العنصر كالمركب البصري المتمثل في المظلات السوداء. هذا الانتقال كما يوحي بمرور الوقت يوحي بتجمده في نفس الزمكان. كنتيجة، تبدو الأزمنة متداخلة بشكل معهود في البعد الزمني داخل القصيدة أكثر منه في الزمكان السردي الفيلمي.
عملية التوليف في ' 9 آب' تنسجم بشكل متناغم مع حركة الكاميرا. فالتصوير يتم عبر محاور متنوعة بين الافقي والعمودي والمائل. بطء حركة الكاميرا يقحم المشاهد في عوالم الفيلم الإخراجية ويجعله يتحسس جمالية الصورة بغض النظر عن موضوعها. وفي تحسيس المشاهد بعمل الكاميرا تكمن شعرية الفيلم القصيدة، كما يقرر بذلك بازوليني.
يخضع سلم اللقطات في ' 9 آب' إلى منطق اللاسردية هو الآخر. فاللقطة / المتوالية tracking shot للجنازة هي المقطع المحوري الذي عنه تتفرع اللقطات الأخرى بزمكانات مختلفة. وهذا لا يمنع من مزاوجة هذه اللقطة المحورية مع لقطات متفرعة تختلف عنها في الحجم، كاللقطة المكبرة لزوجة البطل. وفي الحركة، وهي نفس اللقطة التي تبدو فيها الشخصية ثابتة فيما الجنازة تأخذ طريقها في حركة بطيئة داخل البؤر البعيدة. كما تختلف في الزاوية عبر الغطس والغطس المضاد.
سينماتوغرافية ' 9 آب' كما أشرنا تتجاوب مع منطق أو لا منطق السردية المضادة التي تلبستها الحكاية الفيلمية. متواليات الفيلم، تبدو عبارة عن فسيفساء تلم شظايا من اللقطات والوصلات الصوتية على الطريقة الغودارية. تقنية الإنارة التي تعتمد الموضوع والظل عبر التلوين بالأبيض والأسود تجعل من هذا الشريط القصير عينة من هذه السينما التي تنتمي إلى تقليد أندري تاركوفسكي.
موازاة مع هذه القصيدة البصرية التي نظمها طلال خوري بأسلوب سينماتوغرافي يشد الأنفاس، يبقى نص درويش العنصر الرئيسي الذي كثف من ملامح الشعرية في هذا الفيلم. عبر محمود درويش يفتح طلال خوري بجدارة وجرأة السينمائي الشاعر، بوابة القصيدة الفيلم في جدارالسينما العربية. ' 9 آب' هو التاريخ العربي الحقيقي الذي يتوج فيه درويش كعلامة ثقافية عابرة ومهاجرة بين الوسائط التعبيرية والجمالية، من الشعر العربي إلى السينما العربية.

- نصر حجاج: الصورة السينمائية كتوثيق للصورة الشعرية

قد يكون ما يؤاخذ على الشريط التسجيلي ' كما قال الشاعر' لنصري حجاج، كونه مغرقا في الاحتفاء بشكل ذاتي وحنيني وحميمي تجاه درويش، واعتبار هذا العمل السينمائي مجرد سجل من اللوحات البكائية بخصوص الفقيد الشاعر، هو أشد مكامن القوة في هذا العمل السينمائي. لن يغيب عن أي مطلع على الورقات التعليقية والنقدية التي تناولت الفيلم أن نوعا من القراءة الاحادية، والتي هي الاخرى تنبعث عن فكرة مسبقة لطريقة ما للاحتفاء بالشاعر محمود درويش، قد اسقطت على الفيلم بشكل تعسفي دفع العديد من أوجهه الجمالية وبعض الخصوصيات التعبيرية التي تفرد بها.
فيلم نصري حجاج كان صريحا منذ البداية بخصوص مادته التيماتية الرئيسية وهي بكل بساطة محمود درويش الشاعر. وقد أبان عن بنيته الشكلية بمحورين متوازيين يقطعان الفيلم أفقيا وهما محمود درويش الصوت ومحمود درويش الصدى. والافصح من هذا وذاك هو النية الاحتفائية بهذا الشاعر عبر الكلمة أو الصورة، وذلك عبر عنوان فصيح وفاضح مثل كما قال الشاعر. لكن النقد العربي لا يتساهل مع أي متن، أنى كانت نوعيته، إن تناول محمود درويش كتيمة.
قبل الدخول في مقاربة هذا الشريط التسجيلي على ضوء ما تميز به شكلا ومضمونا، لا بد من الاشارة إلى بديهية سينمائية قد تفيد جدا في إنارة بعض العتمات التي كانت محط لبس بخصوص هذا الفيلم. على عكس الفنون التي تستخدم الكلمة، طبيعة وسيط السينماتوغراف تقتضي غياب أي مؤشر فاصل بين شكل الصورة ومضمون الصورة. وفي هذا يكمن أول تحد يواجهه المخرج وهو معالجته لمادة مضامينية كالشعر تتميز تعبيريتها بالغموض والكثافة والانزياح، أي بدرجة عالية من الشكلانية اللفظية، أي صورة أيقونوغرافية ستناسب ما يميز الشعر داخل نسق اللغة؟ ما هو المركب السينمائي داخل اللغة السينمائية الذي بمقدوره خلق صورة سينمائية مقابلة للصورة الشعرية؟ هذه تساؤلات لا بد من طرحها قبل إصدار أي حكم قيمة على شريط ' كما قال الشاعر'. هذا الشريط، وبكل المقاييس هو مجازفة السينمائي في الخوض فيما يعتبر الوسيط التعبيري والجمالي الأول داخل ثقافته العربية الا وهو الشعر. وما يزيد في المجازفة والمغامرة هو الرهان على محمود درويش، الشاعر الأكثر احتفائية في العالم العربي المعاصر، بكل الثقل الذي يحمله اسم درويش في الواقع العربي الراهن على المستوى السياسي أكثر منه الثقافي.
مثلما أشرنا أعلاه فإن ما يشفع لأي عملية تعديل سينمائية لنص أدبي، نثرا كان أم شعرا، هو كونها أولا وأخيرا قراءة. فيلم نصري حجاج لكونه قراءة المخرج خاصة، عبر شريطي الصورة والصوت، مصاحبة لقراءة أخرى هي القراءة الشعرية، سوف يمنح بالضرورة، وكنتيجة حتمية، طريقة أخرى لقراءة هذا الشعر. لم يعد شعر درويش يقتصر على اللفظ والكلام، بل أصبح صورة سينمائية تمزج إضافة إلى اللفظ والالقاء، عناصر أخرى هي الموسيقى والمؤثرات الصوتية، الأداء، التشخيص، ابجدية التوليف وحركة الكاميرا، وعناصر تعبيرية سينمائية أخرى . أصبح بيت درويش مجالا لقراءة مركبة لجدلية مادة وشكل الصورة مع مادة وشكل الصوت ونوعية الترابط بينهما.
أول ما يثير الانتباه في الفيلم هو القراءة نفسها. فالقراءة تصبح عملية تتجاوز حدود الدال اللفظي والآفاق التي يفتحها على المدلول المجازي المرتبط بالبيت الشعري فقط، إلى آفاق استقرائية للحوارية بين هذا الدال مع دوال من نوع آخر تنتمي إلى نسق لغوي مختلف بالاضافة إلى اللغة السينمائية، ينتمي إلى اللغات الأجنبية التي سيقت في الشريط الصوتي، أو اللغة الإنكليزية التي شكلت النص المكتوب المصاحب على طول الشريط. زد على هذا التداخل النصي الذي تقترحه العتبات النصية بمزاوجتها بين المؤشر الواقعي الجغرافي الذي ينتمي إلى العالم والانطباع الشعري الذي ينتمي إلى عوالم شعر وشعرية درويش.
تتعدد مستويات التوليد للقراءة المشاهدة لكونها مبدئيا تدخل في نسق اللغة الصورية وكل المركبات السمعية البصرية التي تنطوي عليها الصورة. فهي قراءة تفعل أكثر من حاسة وتتطلب أكثر من حساسية. في قراءة من هذا المستوى سيكتشف المتلقي محمود درويش آخر، أو ربما محمود درويش هذا الآخر الذي يتجاوز السياق الجيوسياسي إلى الفضاء الإنساني. فهذه الصياغة الجديدة لبيت درويش عبر الصورة المصاحبة تفتح بالضرورة هذا البيت على الآفاق التأويلية التي تنكرها القراءة المغرضة التي تحصر شعر درويش في بعد واحد من أبعاده وهو البعد المسيس.
في قراءة لشعر درويش تحت عنوان ' عزلة الشاهد'، أبان كاظم جهاد عن طبيعة العلاقة بين شعر درويش والسياسة. فمحمود درويش ' منذ بداياته لم يسقط في فخاخ شعر السياسة بقدر ما أفلح في تأسيس سياسة للشعر لا تتنازل عن شروط القصيدة قيد أنملة.' ( مجلة ' الكرمل'. عدد خاص بدرويش) قياسا على هذا يمكن النظر للمخرج نصري حجاج كشاعر سينمائي مخلص لخصوصية التعبيرية والجمالية السينماتوغرافية، وتمكن مقاربة الفيلم لا كفيديو كليب يتلبس شعر درويش وإنما فيديو لشعر درويش لا يتنازل عن شروط البلاغة السينمائية قيد أنملة. فيلم حجاج زيادة على هذا، اقتبس شعر درويش بمادته السياسية داخل غلافها الشعري الذي ابدع درويش في حياكته. كان تصوير نصري حجاج هو الآخر سياسيا عوض كونه تصويرا للسياسة، إذا استعرنا مقولة جون ليك غودارد.
في هذه المعالجة السينمائية، ركز الشريط الصوتي في ' كما قال الشاعر' على قراءات في شعر درويش المتأخر، وهو بمعنى من المعاني، شعر درويش في مرحلته الناضجة، الأكثر عالمية، حسب كثير من النقاد. موازاة مع ذلك، نجد الصورة فضاء لمواد الصورة الشعرية التي تنتمي إلى شعر درويش في فترته الأولى. وهي الفترة التي كان فيها هذا الشعر عبارة عن ' ترميم دواخل الفلسطيني ومده بصورة عن نفسه وبحضور في العالم واللغة والتاريخ..' ( كاظم جهاد، نفس المرجع). قراءات من ' الجدارية' و' سرير الغريبة' ومجموعات أخرى، ستأخذ بالضرورة بعدا إنسانيا جسدته اللغة السينمائية بهذا الإلقاء الصوتي لشعراء عالميين. قراءات تعبر أفقيا جغرافيا المعمور من الشرق الأوسط إلى أمريكا، مرورا بأوروبا وإفريقيا. وتتصاعد عموديا مع كل القضايا الانسانية كقضية الأكراد وقضايا أخرى تسكن بالضرورة في السياق السياسي والثقافي للغة المستعملة. حوارية الانا والآخر تتجسد في صوت درويش وصداه المتحقق في ثقافات أخرى، عبر التماهي تارة وعبر التصادم تارة. لنتذكر اللقطة التي يصمت فيها صوت الشاعر الإسرائيلي دون غياب صورته، ويعوض هذا الصمت بصوت درويش وهو يلقي من قصيدة حبلى بمضمون تصادم الذات بالآخر. الصورة السينمائية لنصري حجاج عبر هذه التوليف البلاغي بين الصورة والصوت، هي الوحيدة التي استطاعت أن تجسد أيقونيا، وأيقونوغرافيا، واقع الاحتلال في بعد انعكاسي يحفز على المراجعة وإعادة النظر.
في الوقت الذي أدى فيه الشريط الصوتي وظيفة الطيران بشعر درويش في آفاق إنسانية وكونية، كانت الصورة تربط هذا الشعر بأرضية الواقع الذي انبثق عنه بحمولته السياسية من مقاومة وصمود. تمسح الصورة هذا الفضاء المسكون بالأشياء الذي يغنى به معجم درويش الشعري من حقل ومدرسة أشجار الزيتون وشبابيك البيوت والصور الفوتوغرافية المعلقة على جدرانه. في الصورة نتعرف على الأشياء التي صنع منها درويش معجما لشعره ولشعبه، وكان استقاها من واقع الفلسطيني وحياته اليومية، لتكون شاهدا على حضوره، ومرمماً لكيانه المهدد، كما أشار إلى ذلك كاظم جهاد ( نفس المرجع).
في هذه الحالة، ' كما قال الشاعر' شريط يقوم بعملية وظيفة توثيقية مرتبطة مباشرة بالأدب وبالشعر الفلسطيني والعربي عموما. فهو يعتبر سجلا سمعيا بصريا للعناصر المكونة للصورة الشعرية عند محمود درويش، ليصبح هذا الفيلم، الصورة السينمائية التي تترصد هذه الصورة الشعرية من نواتها التكوينية في بيبليوغرافية الشاعر. في هذا المسح السينماتوغرافي لا نقف فقط على موتيفات حبلى بالرمزية في الشعرية الدرويشية وإنما كذلك على صدى تحققه في القارئ المحتمل. بخصوص هذه النقطة كانت بعض التعبيرات الصامتة كرسم صورة الشاعر على الحائط، وصورته المقتطفة من الجريدة والملصقة على زجاج مرآة في مخبزة، أفصح تعبير عن مدى وفعالية هذا الصدى. في مهمة التوثيق هذه لليومي الفلسطيني، طبعا يتماهى الشاعر والسينمائي فكلاهما ، ولكن بأدوات مختلفة يسجل فصلا من المقاومة الفلسطينية لسياسة المحو. في المرجعية السينمائية تمكن مقاربة ' كما قال الشاعر' كسينما التوثيق التي تقاوم سينما الرواية والتي يعني بهما جون ليك غودارد الصورة الفلسطينية مقابل الصورة التي تنسجها الصهيونية.
' كما قال الشاعر' فيلم شعري قائم على المجاز. مادة مضمونه هو المجاز وشكل عرض هذا المضمون هو الآخر يستند على المجاز. إن كانت طبيعة الوسيط السينمائي تفرض شكل العرض فلكون السينما لغة مجازية تفتقد منطق اللغة التواصلية كما أشرنا أعلاه، ثم لكون المقصدية التواصلية لهذه اللغة تتجاوز الشروط المحلية إلى الكونية. فالسينما لغة عالمية لأنها تعتمد على الصورة ومركباتها التي تخضع في استيعابها لنفس الابجدية بغض النظر عن جنسية المؤلف أو المتلقي. شروط الخطاب السينمائي ترتبط بشروط تلقي هذا الخطاب، بمعنى آخر، هذه الشروط ستفرض بدورها فهما معينا للمجاز الذي يعتمده هذا الخطاب في إيصال رسالته. في هذه النقطة بالذات أبدع نصري حجاج في المزاوجة بين المجاز ذي الصدى الكوني والذي تعتمد اطرافه على عناصر تنتمي إلى المخيال الكوني في اغلبها طبيعية كالماء والبحر والشجر، دون التقصير في الحفاظ على البعد المحلي لشعرية درويش داخل نسق المجاز العربي بأطرافه وتنويعاته السياقية كالحصان والصحراء على سبيل المثال لا الحصر. في الوقت الذي قدم المخرج للمشاهد الغربي تشكيلات مجازية لا تدخل في قاموسه البلاغي بنفس المعنى كالحصان والصحراء وشجر الزيتون، وهي استعارات تولد معاني عديدة داخل الثقافة العربية كالصمود والشهامة والحكمة، فتح المجال لنوع من التناص البلاغي بين ابعاد تأويلية محلية وأخرى كونية. من خلال فيلم ' كما قال الشاعر' تعبر صور درويش الشعرية للمتلقي الآخر برموز ثقافية جديدة. يدخل الخط العربي ببعده الفني والقدسي إلى مخيال آخر، كما تدخل صحراء المتنبي وحصان المعراج بكل الابعاد التأويلية والتوليدية التي تحملها هذه الرموز في الثقافة العربية.
كما قال الشاعر هو هذه السينماتوغرافية التي تزاوج بين الصوت والصورة، بين الاشكال المتحركة والاشكال الثابتة، بين الفضاءات الداخلية والخارجية، وبين الاحالة المعتمدة على التجريد و الاشارة المشخصة في الأداء. عبر هذه السينماتوغرافية أضاء نصري حجاج جدلية الحجر والسحاب، الأرض والسماء، والتي تشكل دعامة الصورة الشعرية عند درويش. في بعض المواقف تأتي الصورة كعنصر مرجعي للبيت مضيئة أبعاده الرمزية، مثل صورة ديوان ' لا تعتذر عما فعلت' وفوتوغراف الشاعر نفسه وسط الماء. صورة تحلل وتحول لعنصر ثابت في عنصر متحرك تفصح عن أزلية الشعر والشاعر تضيف إليها السيمفونية عبر الشريط الصوتي بعد الخلود في الزمن. هذه الصورة بالمعنى الحرفي والمجازي تفتتح بعتبة من قول الشاعر: ' إن التشابه للرمال وأنت للأزرق'.. ( من قصيدة ' أحمد الزعتر').
في بعض المواقف تعبر الصورة عن إحدى خاصيات الصورة الشعرية عند درويش كالحركية التي تميز شعره إيقاعا ومعنى. هذه الحركية التي أخذت بعدا سينمائيا تشخيصيا حين اعتمد المخرج في إيصالها على لغة الاشارة. يعبر شعر درويش إلى أشكال كلامية أخرى لا تعتمد الكلمة كلغة الإشارة.
داخل هذا النسق الكلامي الجديد تأخذ شعرية درويش بعدها الأزلي الذي يثور على الحدود الزمنية المرتبطة باللفظ المتمفصل على مفارقة الحاضر المتحلل في الماضي مباشرة. صيغة المضارع التي تنطوي على وظيفة مضامينية هي التعبير عن الصمود والاستمرارية ووظيفة شكلية هي تحقيق إيقاع البيت، تتحاور مع لغة الاشارة والتي بدورها تتحول عبر الشعرية المترجمة إلى إيماء كوريوغرافي يتجاوز التواصل إلى التعبير الفني الجسدي.
' كما قال الشاعر' غني بالتلوينات الجمالية التي تنتج عن مزاوجة البيت الشعري بالصورة السينمائية. لقد أبدع نصري حجاج في إعطاء قصيدة درويش شكلا جديدا سيخلدها لأجيال لاحقة. وكما هو متضح من العنوان الذي رأى فيه الكثير نوعا من الكليشيه والتعبير المنمط، هذا الفيلم احتفاء صريح بمحمود درويش. في هذا الاحتفاء سيتوج درويش مكانة الشاعر الذي يقول، الشاعر المرجع، الشاعر الحكيم، والذي تعتبر أبياته سندا يفصل الحق عن الباطل في القول ويختم الكلام. بعنوان يطرق كل المهام المناطة بالشعر في الثقافة العربية، ويعبر عن المكانة التي يحتلها الشعر في النسق المفاهيمي والخطاب الثقافي العربي، يقدم نصري حجاج دعوة صريحة لتبويء درويش مكانته التي يستحقها في الثقافة العربية، إنه المتنبي الجديد، واولى الناس بقول المتنبي ' إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا'. في فيلم ' كما قال الشاعر' كان محمود درويش حاضرا صوتا دون صورة. وهي تقنية سينمائية عربية محضة خاصة بتشخيص الأنبياء.
الخميس 12 أغسطس 2010



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

حيث يعيش الظل - جمانة حداد

30/05/2014 23:13:00


لم يقل درويش يوماً قدسوني / فراس حاج محمد

30/03/2014 10:54:00


السر في حياة محمود درويش / حسن خضر

30/03/2014 02:24:00


مؤسسة محمود درويش للإبداع الجليل تطلق مهرجان الشعر الرابع

25/03/2014 21:15:00


محمود درويش بلسان أصدقائه

25/03/2014 05:09:00


الهوية والغيرية في ديوان أحد عشر كوكباً / د. رابعة حمُّو

22/03/2014 14:12:00


كتاب "أنا الموقع أدناه محمود درويش" المؤلفة : إيفانا مرشليان

19/03/2014 19:14:00


لا تعتذر عمّا فعلت/ جمال الدين حشاد

18/03/2014 12:23:00


رام الله: وفد من مؤسسة محمود درويش للإبداع في الجليل يشارك في حفل توزيع جائزة محمود درويش لعام 2014

17/03/2014 07:09:00


الغنائيّة في الشعر العربي/ عبد اللّطيف الوراري

21/02/2014 21:07:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 24

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة