New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

 

16/11/2015 15:33:00

سامية العطعوط

في المشهد حمامتان بيضاوان

ترفوان ثوب الشهيد

وامرأتان تبكيان

وفراشةّ تركت أثراً

قبل أن تطير

كزهر اللوز أو أبعد

 

في المشهد فارسْ وسيمّ

يترجّل

ينظرُ للخلفً

يرى

طفلاً يحبو

يعبر نحو الشمس المشرقة

على وطن أجمل

وطن يتسلق فاكهةً

أجساداً ودماءً

من نور

في المشهدْ

سقط قطارّ عن خارطةْ

عمياء

تقفُ على قارعة المنفى

ليعود الشاعرُ من مشفاه

إلينا

حزناً أو ذكرى

وقصائد

لا يمحوها النسيان.

ہہہ

فلسطين حزينةّ هذا المساء ...

تلوب على موت شاعرها الأجمل..

فلسطين ثكلى كأمْ فقدت أعز أبنائها..

الطرقاتُ دامعةّ تنعى غيابه.. والنسوةُ اللواتي اجتمعن هنا بالسواد ، يبكين فارساً ترك الحصان وحيداً لنا..

ورحل.

وتلك الجداريات التي علّقها في فضاء حزنه العادي ، طارت عالياً ، ثم هوتْ علينا كصاعقة الموت الذي لم يُؤجل..

الطرقاتُ دامعةّ

والحوانيتُ مغلقةّ

والبيوتُ خفضتْ من أسقفها لتمر روحه بسلام ،

والشبابيك طارت بعيداً إثر فراشة لم تمت..

والموتى بُعثوا من قبورهم لاستقباله ، فقد غاب درويش الحب والنرجس واللوز والبرتقال عن عيوننا ، وفي فمه كلمة:

أنت منذ الآن أنت..،،

مات الشاعر محمود درويش.. مات الرائق الجميل بلعبة نرد. بحياة لم تمهله قليلاً أو طويلاً حتى يلتقي الأصدقاء بعد يومين ، كما تمنى:

ولاثنين من أصدقائي أقول على مدخل الليل:

إن كان لا بد من حلم ، فليكن

مثلنا.. وبسيطاً

كأن: نتعشى معاً بعد يومين

نحن الثلاثة

مُحْتَفلين بصدق النبوءة في حُلْمنا

وبأنَّ الثلاثة لم ينقصوا واحداً

منذ يومين ،

فلنحتفل بسوناتا القمرْ

وتسامُحً موت رآنا معاً سعداء

فغضَّ النظرْ ،

لكن الموت لم يغضّ النظر ، واستله من فراش المرض سريعاً نحو الأجل،

محمود لم تكن بالنسبة لجيلنا مجرد شاعر فقط ، بل كنت البوابة التي عبرنا منها للشعر والنثر والكتابة. حفظتُ دواوينك في مراهقتي عن ظهر قلب. كنت الأنفاس التي نستنشقها في وطنْ محتل ، والبحر الذي يسافر بنا نحو أحلام بعيدة وأمنيات قابلة للتحقق في وطن أجمل... كبرنا مع شعرك حتى خطّ الشيب رؤوسنا ، واستلك الموت من بيننا باكراً ، قبل أن يكتمل الحلم ويتحقق.. قبل أن تسمع قصيدة كتبتها لك في مراهقتي للعتاب وأنا لم أجاوز الخامسة عشرة من عمري ، بعد:

لماذا غادرت الوطن محمود

وجذور عشقه حية في صدرك

لا تموت؟

وأجبتني في القصيدة ذاتها:

إصلبوني احرقوني

لكن لا تسألوني

كانت أيامي هناك تجري

دون جديد

سوى احتراف الصمت والصلب

في كل عيد

أردتُ أن أثور وأنفجر

أن أذيب عن صدرها

نار الجليد

لكن الكلمات كانت

تموت على شفاهي

وتُقيّد بسلاسل من حديد

كان يمكن أن أخبرك عنها عندما التقيتك بعد أعوام كثيرة ، ولكنني لم أفعل لأنني كنتُ قد هُجرتُ مثلك، والآن ، تغادرنا بجسدك العليل إلى غير رجعة.. ولكنك معنا دائما.

لأنك الهامة التي وطئت ذرى السحاب ، والقلب الذي ظلّ عابقاً بعشق الحب والحياة ، حتى بعد كل العمليات الجراحية.

أنت يا محمود .. أنت.

كنت تعلم أن أيامك في هذه الحياة معدودة ، وأن لاعب النرد يربح حيناً ويخسر حيناً ، وأن حياتك كلها مصادفة. صدفة أنك ولدت ذكراً ، وصدفة أنك نجوت من موت في حادث رحلة مدرسية لأنك تأخرت عن الدوام. وصدفة صرت شاعراً. ولكن ما لم تعرفه قط ، أنك لم تكن صدفة بيننا. فقد أشعلتنا بالحلم الكبير. والملايين الذين يقفون الآن احتراماً لك ، هم عشاقك. إنهم عشاق الأرض وعشّاق الحياة.

فنم مطمئناً يا جميلنا ، فشعبة الخلود التي فقدوها قد وجدتها أنت.


(الدستور الأردنية)



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 22

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة