محمود درويش .. الدال والدلالة / حسن البطل         "محمود درويش حالة شعرية".. النقد موازٍ للنص وليس تابعاً له         محمود درويش في صوفيا / خالد درويش         فراشة محمود درويش تحط في عمّان         لمن كل هذا الغياب أيها الدرويشي المتألق أبداً - محمد كتيلة         عن التماهي مع الشاعر في حضرة غيابه/ ياسين الحاج صالح         التنوع الأسلوبي والبنية التعبيرية للقصيدة : قناع أحمد الزعتر- عواد علي         الاسبان حين يتحدثون عن محمود درويش ...         
 
 
New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

التصوير الفني وتشكيل فضاء النص في جدارية محمود درويش

 

25/11/2011 15:20:00

دراسة مقدمة من الدكتور : محمد بكر/ محمد عبد سلمي

لمؤتمر كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الأزهر بغزة
محمود درويش شاعر فلسطين القضية والإنسان .

Artistic portrayal and formation of text
In
Muhmoud Darwish Mural
Abstract
It is an established fact that murals have a deep lasting impression on memory throughout history . Hence , the Palestinian poet , Muhmoud Darwish , has created his mural to portray a variety of images related to personal and national conflicts . The research seeks to deal thoroughly with the issue of audio-visual intertextualism and the dialectics of cross texts.This will contribute to the production of his poetic significance , starting with the existence of artistic imagery in the structure of poetic discourse and the dynamics of discourse emanating from the visual vision , and ending up with the contribution of this discourse to the construction of the poetic work .
The study focuses on the following themes :
• Identifying the term : The concept of murals , and its significance throughout history .
• The visual –vision and its role in artistic portrayal in the text.
• The auditory value of artistic depiction , and its presence in the mural .
• Trilling voice , and its relationship to the formation of the text in the space mural .
At the end of the research , the researcher will outline the most important findings .
التصوير الفني وتشكيل فضاء النص في جدارية محمود درويش *
ملخص
للجداريات حضور في الذاكرة , تجذر في التاريخ , انتقلت به الأصول إلى الفروع , إلى أن أقام الشاعر الفلسطيني محمود درويش جداريته , ليظهر من خلالها صوراً شتى رسمها للصراعات الوطنية والذاتية , ويسعى البحث إلى أن يستوعب مسالة التناص السمعي / البصري في جدارية محمود درويش , وجدلية النصوص المتقاطعة في فضاء النص , التي تسهم في إنتاج الدلالة الشعرية عنده , بدءاً من وجود الصورة الفنية في نسيج الخطاب الشعري وديناميات الخطاب المنبثق عن الرؤية البصرية وانتهاءً بمدى إسهام هذا الخطاب في بناء عمله الشعري .
وتتمحور الدراسة حول :
• تحديد المصطلح ومفهوم الجداريات عبر التاريخ وأهميتها .
• الرؤية البصرية ودورها في التصوير الفني في النص.
• القيمة السمعية للتصوير الفني وحضوره في الجدارية.
• الترديد الصوتي وأثره في تشكيل فضاء النص في الجدارية .
وفي نهاية البحث سيجمل الباحث أهم النتائج التي توصل إليها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* دراسة مقدمة من الدكتور : محمد بكر/ محمد عبد سلمي – جامعة الأقصى بغزة . لمؤتمر كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الأزهر بغزة ، بعنوان : محمود درويش شاعر فلسطين القضية والإنسان .
مقدمـــــــــــــــة

ارتبطت الجداريات في العصور القديمة بالرسم وبالحفر على الجدران ، وذلك باستخدام الآلات الحادة، أو الفحم أو الطباشير ، وتشير كلمة "غرافيتي graffiti في اللغات الأوروبية إلى أي رسم أو نقش على الجدران والتي قد تتراوح بين نقش بسيط ولوحة فنية معقدة " (1) ، وقد عربت هذه الكلمة بـ"الكتابة على الجدران"؛ وشاع استخدام هذه التسمية في العربية على الجداريات ، وهي تسمية غير دقيقة ، إذ إن كلمة " جدارية " رغم دقّتها ، قد تسبب بعض التشويش بسبب دلالاتها التاريخية(2) ، ثم عرف هذا المصطلح باسم : Paintinng Mural(3)
وفي عصر النهضة ، بدأ العمل في تصاميم القصور والقاعات برسوم وجداريات ضخمة ثم دخلت الجداريات بعد ذلك صالات الاحتفالات العامة والفنادق الكبيرة ، ومــؤخرا بدأ استعمال الجداريات في المنازل والبيوت كخدع بصرية ، وذلك لإضفاء مساحة أكبر على الغرف ؛ فالخدعة البصرية غالبا ما تعطي المكان مساحة أكبر من الواقع وتساعد على إضفاء جو من البهجة والجمال عليه ، ويحلو للبعض أن يساوي بين الجدارية الشعرية الحديثة كجدارية محمود درويش ـ موضوع الدراسة ـ والمعلقات (4) ، ناظراً إلى خبر التعليق على جدار الكعبة ، وهذه النظرة ـ في رأيي ـ لا تستوعب الجدارية كما عرفتها ، والذي أرجحه وأميل إليه ، أن محمود درويش أراد أن يؤرخ لحياته وفكره ، فعمد إلى فكرة الجدارية بما يمكن أن تستوعبه من حقائق أو رؤى خيالية ، تتناسب ومفهوم الخدع البصرية المصاحب لمفهوم الجدارية في العصر الحديث ، لذا حرص على تقديمها عبر لوحات فنية كثيرة ومتنوعة استوعبت حياته وفكره ، وجدارية محمود درويش طويلة ، تأتي على ما يزيد عن خمسين صحيفة ، وهي في القراءة الأولى غير المتفحصة ، قد تستشكل على القارئ أو تثير دهشته ولكنها بعد القراءة المتأنية ، تريك فكراً عميقاً ، وفناً بديعاً ، وقمة شعرية شامخة .
وقد قسمت الدراسة إلى ثلاثة مباحث .
المبحث الأول : الجدارية والتشكيل البصري .
المبحث الثاني : الجدارية والتشكيل السمعي .
المبحث الثالث : الترديد الصوتي وأثره في تشكيل فضاء النص في الجدارية .
ثم اتبعت هذه المباحث بخاتمة أوجزت فيها أهم ما توصلت إليه في هذه الدراسة .
وبعد ، فهذا جهد المقل ، فإن وافقت فيه الصواب فمن الله التوفيق وعليه التكلان ، وإن كان غير ذلك فمن عندي وأرجو من الله العفو والغفران ، فهو حسبي ونعم الوكيل .
الباحث : د.محمد بكر محمد سلمي
المبحث الأول : الجدارية والتشكيل البصري
يدرس التشكيل البصري علاقة حاسة الإبصار بالصياغة الشعرية ، وكيفية التعامل معها بصرياً لاستنتاج دلالتها الفنية في النص ، عن طريق العناية بتحليل الأبعاد الجمالية والمكانية لمفردات التشكيل الشعري ، تحليلاً يربط الشكل بالمضمون، وبالموسيقى ، وبالصور الفنية وبالوسائل البديعية ، ثم علاقة حاسة الإبصار خاصة بالصياغة الشعرية ، وكيفية التعامل معها بصرياً لاستنتاج دلالتها الفنية .

وإذا كان الشعر في العصور القديمة قد اتكأ على الإنشاد والسماع ، فإن القصائد الشعرية في العصر الحديث بدأت تتنازل في كثير من جوانبها السمعية إلى الجانب البصري ؛ ذلك أن الدلالات السمعية والإيقاعية قد تعرضت للتغيير تبعاً للمؤثرات البيئية والاجتماعية والنفسية التي دخلت في نسيج الشعر ، فقد انطلقت في العصر الحديث الدعوات المختلفة إلى الشعر المهموس والمكتوب ، وظهور المذاهب الأدبية المتعددة ، وخاصة الرمزية التي ضاقت ذرعاً بالصوت الجهير ووقوفها عند حدود الصور المرئية (5) ، وتصاعدت الدعوات المختلفة إلى إلغاء نظام الشطرين والقافية ، وتعدى ذلك إلى إلغاء التفعيلة والوزن كلياً ، وظهور قصيدة النثر(6) ، إلى جانب الشعر الحر والمرسل ، ومن هنا لا ننكر أن البصر قد أخذ حيّزاً من السمع ، وقد التجأ الشعراء إلى التعويض عن الإيقاعات الخارجية بالداخلية .
وإذا لاحظنا اللوحات الافتتاحية في جدارية محمود درويش فسنجدها قد صيغت بعناية فائقة فقد خفتت فيها الأصوات ، وانحسرت عنها الألفاظ الرنانة والتراكيب الملأى بالضجيج ، كل ذلك بوعي من الشاعر ، لاستدراج السامع والقارئ إلى تتبع القصيدة والوقوف على غرض الشاعر ، وقديماً انتبه ابن رشيق القيرواني إلى ما أسماه بـ"حسن الافتتاح" ؛ إذ يقول : "إن حسن الافتتاح داعية الانشراح ومطية النجاح" ، وقد يدعى بـ" حسن الابتداء أو براعة المطلع". والمقصود به هو أن يجعل أول الكلام رقيقاً، سهلاً ، واضح المعاني مناسباً للمقال" فإن الشعر قُفْلٌ أوله مفتاحه ، وينبغي للشاعر أن يجود ابتداء شعره ؛ فإنه أول ما يقرع السمع ، وبه يستدل على ما عنده من أول وهلة "(7) ، ولعل وعي الشاعر بأهمية الاستهلال ووظيفته يجعله يستهل قصيدته بصورة غريبة تصدم القارئ وتستثير أقصى غريزة حب الاستطلاع لديه ، بغية جذبه إلى أجواء القصيدة ، وقد نجد تلخيصاً للغرض الرئيس مكثفاً في اللوحات الافتتاحية ، وهي جسر فني ينقل القارئ إلى جو النص الشعري ، وقد كان ذلك اجتهاداً من الشاعر الذي يعاني من ضعف الجسد ، ووهن القلب ، كما يخضع ذلك لوعي الشاعر إلى تطويع تلك المشاعر للتعبير عن مدلول رمزي يرتبط بالغرض الرئيس ، وبالباعث النفسي ، وبتجربته الشعرية .
ولما كانت الصورة الفنية في الأساس بصرية ، حيث يرى بعض الباحثين : " أن التشكيل البصري"بمثابة الرأس من الجسد"(8) . فقد ناسب ذلك افتتاحية الجدارية ، فهي أول القصيدة وابتداؤها ، ونلاحظ أن صوت الشاعر المريض قد خفت فيها ، فازدادت المساحة البصرية التي اختفت منها جميع الألوان وغلب عليها لون البياض :
وكل شيء أبيض البحر المعلق فوق
سقف غمامة بيضاء . واللاشيء أبيض
في سماء المطلق البيضاء . كنت ، ولم
أكن . فأنا وحيد في نواحي هذه الأبدية البيضاء
وخف فيها الإحساس بالألم ، وبالزمان ، وبالعواطف ، وتعدى ذلك إلى كل الأشياء المحسة والمعنوية كالهواجس :
لا شيء يوجعني على باب القيامة .
لا الزمان ولا العواطف . لا
أحسُّ بخفة الأشياء أو ثقل الهواجس
وقد وصف أبو حامد الغزالي غلبة الجانب البصري على التصور , وذلك في معرض حديثه عن أهمية المدركات الحسية , فأضاف إليها : " البصيرة الباطنة والقلب , فقال : " والعلم الحاصل منه في القلب ، جار مجرى قوة إدراك البصر في العين "(9) .
إن نظرة الغزالي للصورة وإضافته ذلك المعنى الأخلاقي ، هو بمثابة وصف للحالة الدرويشية التي استغرق فيها الشاعر في الجدارية ، لاسيما المقاطع الأربعة الأولى .
لقد استشرف محمود درويش في جداريته " بصوفية غنائية محلقة ، ووجد إنساني عميق نهاية الرحلة المحفوفة بالمخاطر"(10) :
ومن حسن حظي أني أنام وحيداً
فأصغي إلى جسدي
وأصدِّق موهبتي في اكتشاف الألم
التشكيل البصري وبراعة الاستهلال :
حققت المقطوعات الأربع الأولى في الجدارية شرطاً له أهميته من شروط الحسن في الشعر وهو ما يعرف عند علماء المعاني ببراعة الاستهلال ثم قامت اللغة ـ إلى جانب كونها صانعة تخيل ـ بأداء باقي هذه الشروط بانزياحها عن وظيفتها الإبلاغية التواصلية المعهودة في النثر فتركت دلالاتها المألوفة جانباً ودخلت في عملية تركيب تخص الشاعر ، وبذا يكون قد تحقق فيها ما يعرف باللغة الشاعرية ، والانزياح مصطلح حداثي ، ولكنه مفهوم قديم أشار إليه عبد القاهر الجرجاني في معرض حديثه عن المجاز وذلك قوله : " كل لفظ نقل عن موضوعه " (11) .
فقد عمد الشاعر إلى نوعين من التعبير تجاذبا مقطوعاته ,
النوع الأول : التعبير الذي يلج به الشاعر عالم النص وقد زادت مساحة الوعي لديه , فنجد الجمل والتراكيب عنده مساوقة لهذا الوعي , فهي جمل مرتبة حسب الشروط اللغوية , وهو ما غلب على المقطوعة الأولى والمقطوعة الرابعة في هذا الاستهلال .
النوع الثاني : التعبير الغائم كما نرى في المقطوعتين الثانية والثالثة ، فنجد أن الانزياح اللغوي يساوق هذا التعبير الغائم , فأي ترتيب منطقي في قوله :
البحر المعلق فوق سقف غمامة
بيضاء . واللاشيء أبيض في
سماء المطلق البيضاء . كنت ، ولم أكن .
وإذا كانت براعة الاستهلال تقع في البيت أو البيتين في القصيدة الشعرية , فإنني أرى أنها تقع في المقطوعات الأربع الأولى في الجدارية , وذلك نظراً لطول الجدارية واختلاف مستويات التعبير فيها , فبراعة الاستهلال في طرح أفكار الشاعر على النحو الذي يؤسس فيه جدلية الجدارية تقتضي هذا التوسع في مفهوم البراعة الاستهلالية , لذا سأقف عند هذه المقدمة لأجلي مواطن البراعة والإبداع فيها ثم أعرج على باقي القصيدة بطريقة أقرب إلى استنطاق الحقول الدلالية وما أنتجته من تصوير .

ــ 1 ــ
هذا هو اسمك/
قالت امرأة
و غابت في الممر اللولبي...
أرى السماء هناك في متناول الأيدي
و يحملني جناح حمامة بيضاء صوب
طفولة أخري و لم أحلم بأني
كنت أحلم . كل شيء واقعي . كنت
أعلم أنني ألقي بنفسي جانبا ...
و أطيرُ . سوف أكون ما سأصير في
الفلك الأخير.
تبدأ المقطوعة بحكاية على لسان امرأة مجهولة ( نكرة ) ، تخاطب الشاعر الذي أمعن في تغييب نفسه عن الواقع ، فقد دل الخطاب أنها تشير إلى اسمه و كأنه يجهله ، أو منفصل عنه وبالرغم من أنه ـ في هذا التشكيل ـ قد أستحضر كل أدوات التغييب ؛ ففي اللغة استعان بـ : (الإشارة و الضمير و التنكير ) ، وفي المكان استحضر : ( الممر اللولبي الذي يحجب الرؤية ) إلا أنه أطل علينا من شرفة كاف المخاطب التي تجعله طرفاً مباشراً من أطراف الحوار فالشاعر موجود ، بل هو موجد الحوار .
وعلي الرغم من محاولة الشاعر نقلنا بالإشارة : هناك ، إلى المكان البعيد ، إلا أنه يرى السماء بعينيه ، بل يلمسها بيده ، وهو تعبير كنائي يدل على علو الشاعر علواً مكانيا يقارب السماء ، ولعل هذا المعني تسرب إلي خطاب الشاعر من صفاء و سمو وتجرد الشاعر المقبل على عملية القلب المفتوح ، حيث يتأرجح بين الحياة والموت ، هذا التهويم الصوفي ( التخلية ) جعله يشعر بأنه ريشة في جناح حمامة ، ولكنه باستخدامه صيغة المضارعة ( يحملني ) حوَّل الصورة من رمزية الكناية ، إلى تجسيم الاستعارة ، الأمر الذي قاده وهو على هذه الحال صوب طفولة أخرى غير التي عاشها سابقا ، وأفضت به إلى ثقل الحياة و همومها ـ الواقع ـ لذا فهو يلقي بنفسه المثقلة جانبا ، ويهوِّم صوب طفولة أخرى يحلم معها بالطيران بل يحلم أن حلمه وهو في تهويماته هذه كأنه سوف يتحقق ، لذا فهو في معراجه هذا يرى ما لا يراه غيره إنه يرى ما سيصير إليه في الفلك الذي لم يعشه بعد .

ــ 2 ــ
وكل شيء أبيض ،
البحر المعلق فوق سقف غمامة
بيضاء . واللاشيء أبيض في
سماء المطلق البيضاء.كنت ، ولم
أكن . فأنا وحيدٌ في نواحي هذه
الأبدية البيضاء . جئت قبيل ميعادي
فلم يظهر ملاكاً واحداً ليقول لي :
((ماذا فعلت ، هناك ، في الدنيا ؟ ))
و لم أسمع هتاف الطيبين ، و لا
أنين الخاطئين ، أنا و حيدٌ في البياض ،
أنا وحيدُ . . .
بعد أن رأينا ــ في المقطوعة السابقة ــ كيف صور الشاعر نفسه في مرحلة اللاوزن ليكون هذا وسيلة منطقية يصل بها إلى حالة المعراج ، أطل علينا بثقافته الواعية التي حاول أن يطمسها بتأكيده على أنه وصل للاوعي , ولكن اضطراباً في هذه الفكرة يطل علينا من : (الرؤية والفكرة) ثم من ترتيب هذه المجالات ترتيبا منطقيا إبتداءً من طفولة الاسم وانتهاءً باستشرافه ما يطمح أن يصير إليه في المستقبل .
وإذا كان الشاعر في مقطوعته الأولى قد أسند اللون الأبيض للحمامة , فهو لا يخصص المعهود من هذا الإسناد ( حمامة السلام ) بل هو يؤسس إلى عالم من البياض يحلو للبعض وصفه بـ ( الغيبوبة البيضاء )(12) ، ولكني أختلف معهم ، فالشاعر يرسم من خلال الاستعارة الرمزية الواعية صورة لعالم أبدي من البياض .
وفي المقطوعة الثانية يجري الشاعر في وصف عالمه على غير سنن الكون المعروفة فالبحر معلق ، وهو هنا يمعن في تحطيم الممكن العقلي والمألوف اللغوي تحقيقا لمقولات الحداثة حيث تبدو عند الحداثيين الحرية مطلبا ذهنياً مجرداً(13) ، تتحطم على عتباتها التراكيب اللغوية وكل ما هو مألوف أو معروف ، فالتعليق – كون المعلق هو البحر حيث يستحيل عقلاً – أقول التعليق ليس أسفل الغمامة بل فوق سقف غمامة ، وقد جعل للغمامة سقفاً ، وهل اختياره لكلمة غمامة دون الديمة أو السحابة ، وغير ذلك إلا ليتساوق مع ما هو بصدده من تعمية .
لقد استدعى الشاعر من الموروث التراثي الاستعارة المكنية ، وإذا كانت الاستعارة تقوم على التشبيه ، فقد صور أشياء لها عناصر في الوجود ــ البحر ، السماء ــ بهيئة غير ممكنة عقلاً وهو ما يعرف بالتشبيه الخيالي (14) ، لكنه تناسى التشبيه ، فحذف المشبه به وذكر صفة من صفاته وهي التعليق ، على سبيل الاستعارة المكنية ، كما رسم الشاعر صورة لعالم كل شئ فيه أبيض ، عالم الحس ومفرداته : البحر ـ الغمامة ـ السماء ، وعالم الخيال ومفرداته : ( اللاشيء ـ المطلق ـ الأبدية ) , وبعد أن جعل عوالمه هذه بيضاء نراه يصف نفسه بأنه وحيد في هذا البياض ثم يؤكد أنه لم يجد ملاكاً ليحاسبه :
ماذا فعلت ، هناك ، في الدنيا ؟
وهو يشير إلى الدنيا بـ هناك ليؤكد أنه في موقعه الأخروي أو معراجه السماوي وليس في الدنيا فهي بعيدة ولكنها ليست بعيدة لدرجة أن يستخدم هنالك ، لذا فهو قد يكون في عالم البين بين ليس في الدنيا وليس في الآخرة إنه على باب القيامة كما سيبدأ مقطوعته الثالثة :


ــ 3 ــ
لا شيء يوجعني على باب القيامة .
لا الزمان و لا العواطف . لا
أحس بخفة الأشياء أو ثقل
الهواجس . لم أجد أحداً لأسأل
أين (( أيني )) الآن ؟ أين مدينةُ
الموتى ، و أين أنا ؟ فلا عدمٌ
هنا في اللاهنا. . . في اللازمان
ولا وجود
لم يلج الشاعر العالم الأخروي لأن دخوله باب القيامة يعني انتهاء عالم الدنيا بالنسبة له ، لذا فهو في منطقة البين بين ، ولقد رسم الشاعر لهذه المنطقة البينية صورة مستمدة من الموروث الديني فالمقاييس الدنيوية تلغى في مثل هذه العوالم البينية ، فقد عاشها أناس قبل الشاعر ولما أفاقوا سئلوا " كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم "(15) ،هذا بالنسبة للزمن أما العواطف فهي تبلغ حد التسوية مع المجاهدات الروحية والجسدية وهي مشاهدات وعوالم صوفية , وقد وصف هذه الأحوال أبو العلاء المعري(16) فقال :
غير مجدٍ في ملتي واعتقادي نوح باكٍ ولا ترنــم شــــادي
وسواء صوت النعي إذا قيـ ـس بصوت البشير في كل نادي
وهكذا وصل محمود درويش إلى مرحلة من مراحل المجاهدة أهلته إلى آن يسمو بروحه ونفسه ليصل إلى مرحلة اللاعدم واللاوجود ، مرحلة معراج يطل علينا به في المقطوعة الرابعة بقوله :

ــ 4 ــ
وكأنني قد مت قبل الآن
أعرف هذه الرؤية وأعرف أنني
أمضي إلى ما لست أعرف . ربما
مازلت حياً في مكانٍ ما , وأعرف
ما أريد...
سأصير يوماً ما أريد
في هذه المقطوعة سيطر التعبير بالأفعال على ثلث المقطوعة تقريباً ، مما أدى إلى زيادة الوعي بالزمن ، أما في المقطوعات السابقة فقد علا فيها صوت الغياب وفقد الإحساس بالزمن :
( اللازمان ، و اللاوجود ) ، و لما كان الغياب و الشك و الفقد هو المسيطر في المقطوعات السابقة ، حرص الشاعر في هذه المقطوعة على ترك مساحة كافية لليقين ، على هامش الظن الذي أفادته : كأن ، وهي الكلمة الأولى التي افتتح بها الشاعر مقطوعته ، فظل التعبير متأرجحاً بين معنى التحقيق أو التقريب في : قد ، و بين التأكيد الصارخ على استمرارية الحياة المستفادة من : مازلت حياً ، و هنا ناسب التعبير بـ : رب ، التي تفيد الكثرة غالباً ؛ هذا التأرجح ، أو التجاذب ، أو التحقق ، أفضي بالشاعر إلى التأكيد على المعرفة ، حيث كرر الفعل المضارع (أعرف ) ، الذي يفيد – الحال و الاستقبال – أربع مرات ، وعبر بما الموصولة ليفيد تعيين و تخصيص ما يريد ( و أعرف ما أريد ) ليكون مقدمة للنتيجة الاستشرافية التي أنتجها التعبير في المقطوعة ، من أول كلمة إلى آخر كلمة ، و هي قوله :
سأصير يوماً ما أريد .
إن ارتباط الصيرورة بالإرادة ، يعلي من قيمة المعرفة ، لهذا يسبق الصيرورة جملة :
وأعرف ما أريد
وهي جملة تنبئ في الجدارية عن ذات قادرة " على التحول من واقع إلى آخر ، وعلى الانتشار من غير عوائق "(17) ، ليصير فكرةً ، أو طائراً ، أو شاعراً ، أو كرمة ، على ما تنطوي عليه هذه الأفكار أو التحولات من وعي بالقيم المعرفية والفكرية ، أو من رؤى فلسفية ، كما سنرى .
حسن الخاتمة قمة الحضور في النهاية
الطيف والحلم :
تمثلت لوحة الطيف في استحضار الماضي والمتع الزائلة ، أو الرغبة في استدرار عاطفة ذوت مع السنين وانحسرت من حياة صاخبة كانت تعج باللهو أيام الشباب ، أو "الالتجاء إلى الطيف لردم الهوة بين اليقظة والحلم لتحقيق المعادلة الناقصة في الحياة ، والاتجاه نحو اكتمالها في المنام ، أو اتخاذها رمزاً ومدخلاً لينفذ الشاعر من خلالها إلى غرضه"(18) .
وبالرغم من قلة لوحة الطيف الافتتاحية في الشعر العربي ، إلا أن محمود درويش بدا مستثمراً جيداً لهذا العنصر الفني ـ لوحة الطيف ـ في الجدارية ؛ فقد حاول جاهداً أن يصبغ صورته بالمعاني الفكرية ، مصطنعاً الغياب والحلم ليتوصل به إلى تصوير مرحلة من مراحل حياته التي اكتنفها الضعف والمرض تارة ـ كما رأينا في اللوحات الاستهلالية ـ ، أو استحضار الزمن الماضي من خلال التقاطع الزماني/ المكاني ـ كما فعل في خاتمة القصيدة .
أراد محمود درويش أن يختتم قصيدته بالتأكيد على امتلاكه ناصية اسمه ، الذي لقنته إياه في مفتتح القصيدة امرأة مجهولة وأوصته أن يحفظه جيداً ، فيقول في ختام قصيدته :
وهذا الاسم لي
وذلك بعد أن يذكره حرفاً حرفا :
واسمي ، وإن أخطأت لفظ اسمي
بخمسة أحرف أفقية التكوين لي :
ميمٌ / ..... ، حاءٌ / ..... ، ميمٌ / ..... ، واو / ..... ، دال / .....
وفي رأيي أن الشاعر حينما أراد أن يختم قصيدته بالتأكيد على اسمه كما بدأها به ، ظهر كأنه يؤرخ ، أو يكتب مذكرات شخصية ، قد لا تحظى باهتمام القارئ أو المستمع ، فذهب باسمه إلى رحلة عبر الزمان والمكان ، عرض فيها على المتلقين لوحات فنية تحظى بشاعرية قوية ومكثفة وجرى في ذلك على ما نبه علية ابن رشيق القيرواني ، حيث جعل " الأصل في النهايات أن تكون " قاعدة القصيدة ، وآخر ما يبقي منها في الأسماع ، وسبيله أن يكون محكماً : لا تمكن الزيادة عليه ، ولا يأتي بعده أحسن منه ، وإذا كان أول الشعر مفتاحاً له وجب أن يكون الآخر قفلاً عليه"(19) .
ولما كان الاسم لا يعني لكثير من قراء الجدارية ما يعنيه للشاعر نفسه ، أضاف إليه جماليات مكانية ، وجدليات زمنية ، لذلك وضع محمود درويش مقطعاً سماه المقطع قبل الأخير أحكم فيه وفي المقطع السابق عليه نهاية القصيدة ، وجعله قفلاً عليها ، ورسم فيهما بعض اللوحات الفنية الجميلة ، انطلق فيها من المكان الذي شهد طفولة الاسم ـ مدينة عكا ـ فأظهر معالمه ، ثم أقام جدلية حوارية عبر( المكان / الزمان ) ، ثم خرج منه إلى المقطع الأخير الذي ركز فيه على اسم الشاعر الحاضر في الزمان ، الغائب عن المكان .
يتحول الطريق المتعرج المفضي إلى ميناء عكا ، إلى فضاء مكاني تتقابل عليه الأزمنة لتشكل جماليات المكان عبر ذاكرة بصريه تبدأ من اللحظة الأولى التي يقع بصر الشاعر فيها على المكان :
وشارع يفضي إلى ميناء
عكا ـ ليس أكثر أو أقل ـ
أريد أن ألقي تحيات الصباح علىَّ
حيث تركتني ولداً سعيداً ] لم أكن
ولداً سعيد الحظ يومئذ
ولكن المسافة مثل حدادين ممتازين
تصنع من حديد تافه قمراً [
يلج الشاعر فضاء المكان مفعما بذكريات الطفولة السعيدة التي لم تدم سعادتها بسبب الهجرة , ورغم محاولة التغيير الطارئة على المكان فإن ملامحه تستعصي على الانمحاء الكلي والتغيير الجذري الذي يطمس المعالم ، فسور عكا شامخ في مكانه ، والمدينة القديمة حاضرة بسوقها وطرقاتها ، ومنظر البحر لم يتغير ولم تستطع أن تنال منه أيدي العابثين .
إن بعض ملامح التنكير التي طرأت على المكان ، وإن بدت في ظاهرها جميلة كالقمر ، إلا أن الشاعر يرى أن هذا القمر قد تشكل من حديد المكان وصلابته ، فالمسافة الزمنية لم تستطع طمس المكان وتغيير معالمه – منذ الهجرة وحتى زيارة الشاعر للمكان – بل غطت عظمة المكان وشموخه على تلك المحاولات ، وأشبه فعل المحتلين بالمكان ، فعل حدادين شكلوا بمهارة صنعتهم من قطعة حديد خام حدوة تشبه القمر في أول منازله – الهلال – ولكن انفعال الشاعر بالمكان وانتماءه إليه ، جعلاه يرى المكان قمراً منيراً رغم محاولات العابثين ، ويظل المكان ـ عكا ـ فرسا شامخا وصنيع الحاقدين بمنزلة الحدوة في حافره ، ثم يتجاوز الشاعر الزمان والمكان الحاضرين ، ويستحضر المكان الماضي في الزمن الحاضر ، ويشير إليه :
هاهنا كنا وكانت نخلتان تحمِّلان
البحر بعض رسائل الشعراء
لم نكبر كثيرا , يا أنا , فالمنظر
البحري والسور المدافع عن خسارتنا
ورائحة البخور تقول مازلنا هنا
حتى لو انفصل الزمان عن المكان
إن هذا المكان الذي شهد أجمل لحظات السعادة التي تتهادى عبرها رسائل الشعراء ، المستمدة من جماليات المكان الشامخ شموخ النخيل ، ومن مياه البحر التي وقف التاريخ أمامها محملاً إياها ذكرياته , ولم نبتعد بعمرنا عبر الزمان عن هذا المكان كثيراً إنه مكان يستعصي على الانمحاء الكلي أو التغيير الجذري الذي يطمس المعالم ، فسور عكا شامخ في مكانه ، والمدينة القديمة حاضرة بسوقها ، وطرقاتها تُحمِّل المكان عبق البخور , ومنظر البحر لم تستطع أن تنال منه أيدي العابثين , إنها مدينتنا القديمة شاهدة على عروبتها مؤكدة على بقائها ، مصرة على انتمائنا لها مهما طال الزمن ، لم يُخف الشاعر مخاوفه من أن يتنكر له المكان ، فسجل ذلك في حوار دار بينه الآن ، وبين طفولته التي تركها على عتبات المكان السكري :
ـ أتعرفني ؟
بكى الولد الذي ضيعته :
(( لم نفترق لكننا لن نلتقي أبدا )) ...
وأغلق موجتين صغيرتين على ذراعيه ،
وحلَّق عالياً ...
فسألت من منا المهاجر
بعد هذه الحيرة يجري الشاعر حواراً مع السجان عند الشاطئ الغربي ، يعرف منه أنه ابن سجانه القديم ، الذي مات لإصابته بالإحباط من سأم الحراسة ، وأنه أورث ابنه مهمة حماية المدينة من نشيد الشاعر الحائر ، الذي لايزال مصراً على امتلاك الهواء والبحر والرصيف ومحطة الباصات وآنية النحاس والمفتاح والباب والأجراس وحدوة الفرس التي طارت عن الأسوار ، وأشياء أخرى كثيرة .
هذا البحر لي
هذا الهواء الرطب لي
إلى أن يقول :
جدار البيت لي ...
واسمي ، إن أخطأت لفظ اسمي
بخمسة أحرف أفقية التكوين لي
وتطل الحيرة التي أشرت إليها من هذا الاختلاف الذي يثير الدهشة بين إصراره على الملكية التي ازدحم بها هذا المقطع الأخير ، وبين نهاية المقطع نفسه الذي يقول فيه :
أما أنا وقد امتلأت بكل أسباب الرحيل
فلست لي
أنا لست لي ، أنا لست لي ...

المبحث الثاني : الجدارية والتشكيل السمعي
الصوت الشعري وهيمنتة على المتلقي :
اقصد بالصوت الشعري تلك الكيفية الحسية الكلامية / السمعية وهي تشمل الأصوات ودرجاتها والكلمات وجرسها (20) ، وحين عرَّف جون ستيوارت مل الشعر بأنه : " ليس قولا يسمع فقط ، بل يستغرق السمع "(21) . لم يشر إلى طبيعته الصوتية فحسب ، بل أعلى من تلك الطبيعة بطريقة لافته ، وذلك حين جعل جمهور المستمعين طرفاً من أطراف العمل الشعري الناجح ، فأدخل الشاعر في حالة يمكن أن أطلق عليها ( الحالة العكاظية ) وهي حالة تجعل جمهور المستمعين لا يحقق صلته بالقصيدة عبر هذه الحالة الصوتية الاستغراقية السمعية فحسب بل توجد له مكانة في وجدان الشاعر ، يحافظ عليها ويستحضرها أثناء تأليف القصيدة ، وتقوم الأمسيات الشعرية مقام عكاظ في أداء هذه المهمة ، وهنا يوضع الشاعر والقصيدة على محك النقد ، فهو أعرف من غيره بخلجات نفسه ، ونبضات قلبه ، وأدرى بما يعانيه ، وأعلم بالمواطن التي يريد تأكيدها من إثارة حماسةٍ ، أو تعبيرٍ عن انفعال معين ، أو إيراد حكمة ، أو الإفصاح عن لطيف معنى ، أو تبيان موقف عاطفي أو إنساني ، إلى غير ذلك من الموضوعات المختلفة فضلاً عن الفهم العميق لتجربته التي تشربت بعواطفه المتقدة ، وأحاسيسه الحية ، وانفعالاته المحتدمة ، ومشاعره المتأججة ، فهو أقدر من غيره على إبراز ذلك كله عبر سلسلة من القواعد المعروفة من جهر وهمس ، وتعجب ، واستفهام ، ونداء ، وغيرها من القواعد التي تخص النسيج الشعري .
لقد ألقى محمود درويش القصيدة الجدارية مستغرقاً ساعة ونصف " في قاعة غاصة عن آخرها في مسرح محمد الخامس بالمغرب ليلة 19/ 6/2000م " (22) ، وكان الجميع مشدوهين وهو يصرخ داخل الجدارية كلها :
" كأني لا كأني "
و " كأني لست مني "
و " لا أرى جسدي هناك "
و" أين أيني الآن ؟ أين مدينة الموتى؟ وأين أنا ؟
فلا عدم هنا في اللاهنا ...
في اللازمان ولا وجود "
لقد كان صوت درويش صوتاً مؤثراً ممتزجاً بجمهوره ، وهذا ما دفعه إلى القول : " لقد طورني قارئي هنا في المغرب وفي غيره من بلدان اللغة العربية حين صدقني ، طورني فقبل اقتراحاتي الجمالية المتواضعة " (23) ، كما ألقى الجدارية في مدينة رام الله وذلك في يوليو 2008م ، " وكأنه كان يريد أن يدلي باعتراف ملحمي مباشر ، يعلن فيه صرخة تحدٍ للموت " (24) ، وذلك قبيل رحيله عن هذه الدنيا بشهور ، كما لمسنا من جداله مع الموت في الجدارية .
والشاعر الذي يدرك حقيقة هيمنة الصوت الشعري على المتلقي يحاول أن يضمن لقصيدته أكبر قدر من الغنى الصوتي ، فالإنشاد، والسماع " أَبٌ للملكات اللسانية " (25) ، حتى كان يوصف الإنشاد لجودته بالغناء ، وقد قيل : " إنَّ الغناء ميزان الشعر " (26) .
ولتحقيق ذلك يسعى الشاعر إلى الإعلاء من شأن الخصائص الإيقاعية والصوتية ، والعناية بكل ما يجعل هذا الثراء الصوتي متفشيا عبر النص الشعري , صادرا عن تفاصيل الصياغة كلها : كنظام التقفية و الوزن والتكرار والتجنيس وحروف اللين ، وحين يلقي الشاعر قصيدته على الجمهور بصوته ــ كما فعل درويش في الجدارية ، وفي غيرها ــ ، فإنه يغدق على قصيدته رنيناً راجفاً يصل به عبر هذه الحالة السمعية الاستغراقية إلى قلب المستمعين ، إنهم مستمعون من نوع خاص ، فعندما يصورالزمن بالنسبة لرجل مريض ينتظر الموت ، يعلى من القيم الصوتية التي تولد الغنائية المصاحبة للإنشاد ، رغم ما يكتنف الحديث من عبق الموت ، إن مستمعي درويش يفهمون هذه القيمة الزمنية المعكوسة والتي صاغها في تقسيم بارع :
قد يكون الآن ابعد
قد يكون الأمس اقرب
والغد الماضي
ولكني أشد " الآن " من يده ليعبر
قربي التاريخ , لا الزمن المدور ،
مثل فوضى الماعز الجبلي ......
فقد شخص الزمن الحاضر " الآن " فجعل له يدا على سبيل الاستعارة المكنية ، واختار اليد من بين أعضاء الجسم , لتناسب المعنى في العبارة , فهي آلة الشد والجذب والحركة في الجسم ، إنه يريد من التاريخ أن يعبر بسلام ، وقد أخذ بيده ولا يريد من هذا الحساب الزمني ــ التاريخ ــ أن يفاجئه بما لا يتوقع ، لذا ناسب أن يرسم صورة لفوضى التاريخ ، وتوسل إلى ذلك بالتشبيه ليقرب هذه الصورة إلى الذهن ، فاستحضر تلك الحركة غير المحسوبة وذلك القفز والدب الذي لا يسير على نسق ولا يدل على انتظام ، فناسب أن يكون المشبه به هو الماعز الجبلي بكل صفاته التي يمارسها على أرض غير مستوية ؛ لتكون غير منسقة وغير محسوبة .
إن مستمعي درويش يتابعونه في أدق التفاصيل ، وهو يعي ذلك ، انظر إليه وهو يخاطب الموت خطابا يشعر الجميع ببساطة الأمر ، فقد صور نفسه وهو يستعد للموت ، كأنه يتهيأ لرحلة يستوحيها المستمع من التفاصيل الدقيقة التي يذكرها ، كما نحس ذلك من الإيقاع الذي يترجم الجو النفسي فقد جاء ثلث أجزاء الأسطر الثلاثة الأولى غير مزحفة ، بينما جاءت باقي الأجزاء مضمرة و هذا يتساوق مع الهدوء الناشئ عن طلب الانتظار من الموت ، أما باقي المقطوعة فقد جاء أكثر من نصفها غير مزحف مما يزيد مساحة الحركة في الأجزاء ؛ وذلك يتساوق مع الاستفهامات المتلاحقه و التى تدل على أضطراب السائل لجهله بما ينتظره ، وما كثرة الأسئله إلا امتداد لهذا الاضطراب ، وقد لجأ في مفتتح المقطوعة إلى تشخيص الموت حين حدثه بقوله : أيها الموت انتظر ، ولكن باقي المقطوعة تشد المستمع وتجعله يتابع تفاصيلها ، إنها التفاصيل الدقيقة نفسها التي يهتم بها كل مستمع عندما يعد نفسه للسفر :
أيها الموت انتظر ! حتى أعد
حقيبتي : فرشاة أسناني ، وصابوني
وماكنة الحلاقة , والكولونيا , والثياب
هل المناخ هناك معتدل ؟ وهل تتبدل الأحوال
في الأبدية البيضاء , أم تبقى كما هي في
الخريف وفي الشتاء ؟ وهل كتابٌ واحد يكفي
لتسليتي مع اللا وقت , أم احتاج مكتبة ؟ وما لغة
الحديث هناك , دارجة لكل الناس أم عربية فصحى
وفى شعر درويش تتملك المتلقي لذة غامضة فتأتى القصيدة محملة بغموض يترشح عن جماع العمل الشعري ، وينبثق عن القصيدة الصادرة عن الانفعال في تعقيده ورهافته حين يشع من ثنايا النص ، فانه يعزز من قوة القصيدة وجاذبيتها ، وهو بذلك يضاعف من افتتان القارىء بقصيدته عملا بقول الجرجاني " من المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له والاشتياق إليه ، ومعاناة الحنين نحوه ، كان نيله أحلى وبالمزية أولى ، فكان موقعه من النفس أجل وألطف ، وكانت به أظن وأشغف "(27) . وعلى قارئ محمود درويش في جداريته أن يمتلك تقنية خاصة مرتبطة بتجاربه مع اللغة ، لكي يصبح على قدر من الشفافية الداخلية يتيح له أن يلج عالم الشاعر ، وأن يسبر أغوار النص ، استمع إليه وهو يقول :
يضيق الشكل يتسع الكلام . أفيض
عن حاجات مفردتي .
ويقول :
أفرغني الهباء من الإشارة والعبارة ,
أثر الصورة الذهنية في تشكيل الصورة السمعية
الصورة المتخيلة أو المتصورة تحاكي صورة الأشياء في الوجود ، والتصور أو التخيل لتكوين الصورة ، لابد له أن يعتمد الفكر شرطاً لتحقيق هذا الوجود ، وهكذا فإن الصورة الفنية لابد أن تمر بثلاثة مراحل هي :
1 ـ الصورة : هي الأصل المنظور أو المتخيل من عناصر لها أصل في الحقيقة .
2 ـ التصور : وهو عمل ذهني يقوم الشاعر من خلاله بجمع عناصر الصورة مطابقة لرؤية بصرية سابقة ، أو لرؤى من خياله و فكره قد تستند إلى عناصر الواقع ، أو تبدع عالماً يشبه الواقع حتى نستطيع إدراكه .
3 ـ التصوير : وهو النتيجة المتحصلة من المرحلتين السابقتين يبرزها الشاعر للوجود بواسطة اللغة الشاعرية المعبرة .
وفي تفسيره لتكوين الصورة الذهنية ، يقول حازم القرطاجني : " إن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان ، فكل شيء له وجود خارج الذهن ، فإنه إذا أُدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق ما أدرك منه ، فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك ، أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم ، فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ " (28) .
على أن فاعلية الصور الذهنية تكمن في " ارتباطها بالإحساس " (29) ، ولذا يقول بريت عن الصور الذهنية : " فالأشياء التي ندركها تقع على أعضاء الحس لدينا وتنتج صوراً في الذهن وتبقى هذه الصور مخزونة في الذاكرة عندما لا يغدو للأشياء ذاتها وجود " (30) ، وقد عنى ذلك محمود درويش حين يقول :
من أين تأتي الشاعرية ؟ من
ذكاء القلب ، أم من فطرة الإحساس
بالمجهول ؟ أم من وردة حمراء في الصحراء
وحين يقول :
كلما أصغيت للقلب امتلأت بما يقول ،
الغيب وارتفعت بي الأشجار . من حلمٍ إلى حلمٍ
لقد استطاع محمود درويش أن يوظف قصص الموروث الغيبي ، والحكايات ، من خلال ما تحمله من رموز ، ينبثق منها مغزى يتخفى الشاعر وراءه ليعبر عن حالته ، أو حالة قومـه يقول :
سأحلم ، لا لأصلح مركبات الريح
أو عطباً أصاب الروح
فالأسطورة اتخذت مكانتها / المكيدة
في سياق الواقعي . وليس في وسع القصيدة
أن تغير ماضياً يمضي ولا يمضي
ولا أن توقف الزلزال ، لكني سأحلم ،
ربما اتسعت بلادٌ لي ، كما أنا
واحداً من أهل هذا البحر ،
كف عن السؤال الصعب : من أنا ؟ ...
لقد أراد أن يقفز من الحلم إلى رفض الواقع ، فهو لن تغيره المواقف المتناقضة مع نفسها ولا التيارات المهيمنة ، مهما كانت قوية ، وإن اضطر لمجاراتها مرغماً ، تمريراً لفرص الحياة وهو خبير بما يجري حوله ، فالجميع صاغرون تابعون للقوي ، لقد قرر الشاعر هذه الحقيقة ، ولكنه أخبر التاريخ بها :
وأنا أنا ، لا شيء آخر ...
لست من أتباع روما الساهرين
على دروب الملح . لكني أسدد نسبة
مئوية من ملح خبزي مرغماً ، وأقول
للتاريخ : زين شاحناتك بالعبيد وبالملوك الصاغرين ، ومر
... لا أحدٌ يقول الآن : لا .
لقد كنَّى بروما عن الهيمنة الغربية ، وافتتح المقطوعة بالتأكيد على ثباته على الشرف الوطني ، وعدم تحوله عنه ، وقد توسل إلى ذلك بالنفي والتوكيد اللفظي ، ثم رفض أفعال أولئك التابعين المتعللين بالضعف وبالمحافظة على حياتهم سبباً لهذه التبعية ، وكنى بالملح عن وسائل الحياة المزعومة ، وجسّم التاريخ ليحمِّلَه رأيه الرافض على طريقة الاستعارة المكنية ، فهو شخص له هيمنة على الحميع ، وهذه الهيمنة ليست هيمنة تصرف ، بل هيمنة اضطلاع ومراقبة
إن ما يقرِّب تلك الصور الذهنية اعتمادها الأصوات المختلفة ، لكي يفهمها المستمع ، بعد أن كانت في ذهن الشاعر منسوجة من الحسيات الغائبة عند لحظة الإبداع ، وتشكيل رموز لها عبر معارف اكتسبها من خلال " تذكر هادئ لما سبق من تجارب حية " (32) ، فتثير الصورة مجموعة من الروابط بين المدركات الحسية المختلفة بما فيها حاسة السمع عبر الألفاظ ، أو الأصوات ، أو الموسيقى الخارجية ، على أن الصورة السمعية للكلمات من أكثر الأحداث الذهنية وضوحاً (33) ، يقول :
أخذ الرعاة حكايتي
وتوغلوا في العشب فوق مفاتن الأنقاض ،
وانتصروا على النسيان
بالأبواق والسجع المشاع ،
وأورثوني بحة الذكرى على حجر الوداع ،
ولم يعودوا ...
إن الحياة القروية المدنية حياة صاخبة مثقلة بمتطلبات الواقعية ، بعيدة عن بساطة الحلم أما الحياة الرعوية فإنها تزخر بالشاعرية المرهفة والخيال الحالم ، وهذا ما يفتقده شاعرنا المدني لذا جاءت قصيدته مثقلة بالمقولات الفكرية التي قدم نفسه من خلالها ، وها هو يصور تلك الحياة الرعوية التي يبدو فيها كل شيء جميل ، حتى الأنقاض تدخل ضمن منظومة الجمال الفاتن وينشغل الناس عن كل ما يقلقهم بالرجوع إلى الغناء المنمق المتقن ، ويشيع في الأبيات الزخم الصوتي بدءاً من غنائية بحر الكامل المتدفقة ، وانتهاء بالمزامير التي يراها الشاعر المدني أبواقاً مزعجة .
المبحث الثالث : الترديد الصوتي وأثره في الجدارية

يشكل الجانب الصوتي عاملا ذا أهمية كبيرة في النسيج العام للقصيدة ، ليس بوصفه تقنية صوتية تتصل بجرس الكلام ، أو بالوسائل التي تؤدي إلى التفاوت في مستوى هذا الجرس فحسب ؛ كمنظومة الوزن والقافية ، أو منظومة الحروف وتشكيلاتها الصوتية كما وكيفا , أو المنظومة الصرفية البديعية التي تتشكل منها صور الكلمات المتساوقة أو المتشابهة , كل هذا له أهميته القصوى في التراكيب اللغوية ، ولا غنى للشعراء عن الأخذ به ، فالشاعر المجيد هو الذي يحسن التعامل مع هذه المنظومات اللغوية الصوتية ( الفنولوجية ( phonolog ، ولكن الصوت الذي أقصده في هذا المبحث هو : ذلك الصوت الذي يخترق الزمان والمكان ، ويظل محافظا على قوته عبر السنين ، ليصل من الأجداد إلى الأحفاد دون خفوت أو ضعف , إنه صوت أمة حية ، يزداد صخبا عندما يتعرض إلى محاولات طمسه أو مصادرته ، إنه صوت كامن في الأعماق ، ألا ترى أن أصوات النكبة وأحداث الهجرة التي لم نراها بأعيننا لازالت تصرخ في داخلنا ، وسوف تظل نابضة مدوية يتوارثها الأبناء والأحفاد , إنه صوت مخيف يعد الأعداء الغاصبون له ألف حساب ، ويقع على عاتق المثقفين مسؤولية المحافظة على هذه الأصوات حية في ضمير الأمة ، لاسيما الشعراء الذين يحولونه إلى أنشودة شعب وجذوة ثورة .
والأصوات التي تتردد في الأعماق كثيرة منها ما هو وطني ينضبط بمعايير جمعية .
ومنها ما هو شخصي ، يعيشه الشاعر ويحافظ عليه ، يردده في قصائده بأساليب شتى وتعابير مختلفة , ومن مجموع هذه الأصوات تتشكل شخصية الشاعر , وإذا ألبس الشاعر هذه الأصوات التي تتردد في أعماقه ثوبا من الألفاظ الموحية ، كانت الجسر الذي يعبر به إلى دوحة المتلقي ، لافتاً النظر إليه بوسائل عديدة تتصل بمنظومات اللغة ـ السابق ذكرها ، وإلى ذلك يشير ابن رشيق بقوله إن الشاعر " إن نسب ذل وخضع ، وإن مدح أطرى وأسمع ، وإن هجا أخلّ وأوجع ، وإنْ فخر خبّ ووضع ، وإن عاتب خفض ورفع ، وإن استعطف حنّ ورجع"(34).
وعلى ذلك فإن الصورة الفنية في الشعر تتشكل من إقامة علاقة بين الألفاظ الموحية ، وبين مجموعة الأصوات التي تتردد في النسيج الشعري ، وكثيراً ما نرى عناية الدارسين الذين يتناولون الصورة الفنية بالبحث والدراسة بالألفاظ ، من حيث هي رموز للمعاني ، أو من حيث ما تشكله من تعبير حقيقي أو مجازي ، وإن كان ذلك أمراً له أهميته ، ولا يمكن الاستغناء عنه في الدلالة على المعنى ، وتشكيل الصور المختلفة ، وهو ما أشار إليه ابن الأثير بقوله : " إنَّ الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص منَ البشر "(35) . ذلك أن المستوى الصوتي للألفاظ " في معظم الحالات ، هو مفتاح التأثيرات الأخرى في الشعر"(36) ، وهو ما عناه الجاحظ بقوله : " والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي ، والبدوي والقروي ، وإنما الشأن في إقامة الوزن ، وتخير اللفظ ، وسهولة المخرج ، وفي صحة الطبع وجودة السبك "(37) .
إن من أهم مميزات الترديد الصوتي في الشعر أنه يسهم وبدرجة كبيرة جدا في تشكيل فضاء النص , وهو جانب ذو أهمية بالغة تظهر بوضوح إذا اختير هذا الشعر للغناء ، والشعر الذي لا يصلح للغناء قد يصلح للقراءة الصامتة التي تداعب الأجفان قبل النوم .
وسوف نرى جوانب المستويات الصوتية المختلفة ، ونحن نقدم الصور الفنية المختلفة التي تتردد أصواتاً لافتة ملحةً في الجدارية .
وأقصد بالترديد الصوتي ، أن تتردد الأصوات الدالة على أحداث جرت في الماضي ، أو في الحاضر ، أو متخيلة في المستقبل ، في النص الشعري ، والترديد ليس مرادفا للتكرار , فالتكرار يشبه الإيقاع في الموسيقى ، ولو جرد هذا الإيقاع لكان نقرات مكررة بشكل ظاهر، أما الترديد الصوتي فهو يشبه النغم المصاحب للكلمات ، فإن أنت جردت النغم تصورت معه الكلمات . ويختلف الترديد الصوتي قوة وضعفا عند الشعراء ، فيكون مدويا مجلجلا يعبر حاجز الزمن يختلف عليه الشعراء ، ويتناولوه في قصائدهم ، فلا يزال يتردد على الألسنة ، تنشده الأجيال وتتغنى به الأمة ، وبذا يكون الترديد الصوتي قد منح هذه الأصوات الحياة ، بل منح الأمة بها الحياة .
وعلى المستوى الشخصي ، فإن أصواتاً تتردد في حياة الشاعر ــ كما نرى عند محمود درويش ــ فهو يتكئ عليها ، ويرددها ، منها ما يتصل بحياته الفردية ، ومنها ما يتصل بحياته الاجتماعية ، ومنها ما يتصل بالقضايا الفكرية والهموم الوطنية , وهذه الأصوات تتردد في تناغم متساوق ، ممزوج بفكره وعواطفه وانفعالاته , ففي لحظات ضعفه التي مر بها ، والتي ترجمها في الاستهلالية ، جمع قوته وشحذ ملكاته الفكرية وأخذ يستشرف مستقبله ، فترددت بعض الأصوات قوية في نفسه ، مزجها بفكره وفنه , فخرج علينا بأربع لوحات فنية ، عرض من خلالها هذا الترديد الصوتي المُلِحُ ، وهذه اللوحات المنبثقة عن استهلاله البارع ، تندرج تحت الأفكار الآتية :
سأصير يوما فكرة
سأصير يوما طائرا
سأصير يوما شاعرا
سأصير يوما كرمة
وقد نظر بعض الباحثين إلى هذه الأسطر , الأربعة وأشار إلى أن فيها تكرارا فقال : " التكرار يجيء بمثابة نغمة جاذبة في إيقاع كبير يبني أو يسهم في بناء لحن موسيقي متكامل " (38) ، وأنا أرى أن هذه الصور الأربعة ما هي إلا ترديد لأصوات عدة لم يتح للشاعر أن يحققها في عالم الواقع فطفق يرددها عندما أفاق من الغيبوبة ، وكأنه ولد من جديد ، ولكنه مولود كبير في آماله وأحلامه ، يتمتع بوعي شاعر وخبرة فنان ، لذا كانت أصواته على طفولتها ؛ خيالها جامح ، ممزوجة برؤى فلسفية ، ففي الصورة الحالمة الأولى يتشكل على النحو التالي :
سأصير يوما فكرة لا سيف يحملها
إلى الأرض اليباب , ولا كتاب
كأنها مطر على جبل تصدع
من تفتح عشبه
لا القوة انتصرت
ولا العدل الشريد
سأصير يوماً ما أربد
إنها فكرة مقبولة ـ من وجهة نظر الشاعر ـ من طرفي المعادلة ، وهي فكرة التعايش السلمي بين العرب واليهود ، فلا يستخدم أحدهم القوة ليلغي الآخر , ولا يستند إلى نصوص أيديولوجية فكرية أو دينية ، يردها كل فريق إلى نصوص كتابه أو تراثه .
وقد وصف الأرض المتنازع عليها طالما كان هذا النزاع محتدما بأنها : أرض يباب ، إذ لا استقرار ولا تمتع ولا أمن بدون المصالحة , وقد جسم هذه الفكرة ، بصورة خيالية ، حرص على أن تكون من مراتب الخيال الأولى غير المعقدة ، ولا تحتاج إلى إعمال فكر في تمثلها ، ألا وهي التشبيه ، ذلك أنه تصور فكرته التصالحية مطراً ينتشر على تلك الأرض المتصدعة ، وقد شقت الحياة عليها بصعوبة ، كأنها خارجة من صدع جبل يباب من قلة الماء ، وذلك يعني أن بذوراً للخير موجودة في هذه الأرض ، ولكنها تحتاج إلى فهم الواقع ، كما يفهمه الشاعر؛ ذلك أن القوة لا تنتصر في هذا الصراع ، وأن الذي يظن أنه صاحب الحق دون غيره لا ينتصر أيضاً ، إن الشاعر يدرك مرارة الواقع وثقل المهمة وغرابة الفكرة ، لذا ناسب استخدامه كأن التي تفيد التوقع والشك ، وهو يرى أن فكرته هذه ستتحقق يوما ما ، فناسب أن تكون كلمة : يوم نكرة لتفيد العموم ، وإذا كانت الصورة الأولى صوتا وطنياً يستشرف فيه الشاعر حلاً نابعا من موروث له مزدوج ؛ فهو عربي فلسطيني ، يحمل الهوية الإسرائيلية ، إنه يدعو للحوار بين الحضارات دون التحيز إلى عنصر أو تاريخ ، يعزز ذلك قوله :
ليست لدي هوية عربية خالصة
أنا نتيجة مزيج حضارات ماضي فلسطين
لا أحتكر التاريخ والذاكرة والرب
ويقول في موضع آخر :
ولندع كل واحد يروي سرده كما يشاء
ولندع السردين يجريان حوارا
وسوف يبتسم التاريخ
ويستمر الشاعر في تشكله الحلمي ولكنه يستحضر معه الأساطير في الصور الثلاث الأخرى فهو يريد أن يتحول في الصورة الأولى إلى : طائر يشبه طائر الفينيق ، يبعث حياً من رماده بعد أن يحترق جناحاه ، وفي الصورة الثانية يريد أن يتحول إلى شاعر جديد يتحرر من مكانه يُشكل الماء لحظة البداية والنهاية عنده ، وفي الصورة الثالثة يتحول إلى كرمة تفارق وجودها المادي وتتحررمنه بتحولها إلى نبيذ يشربه العابرون على ثريات المكان السكري ، ويجمع هذه الصور الثلاث صوت واحد ، هو رفض الواقع والإصرار على الأفضل ، وهذا نقد واعتراض ورفض لمسيرته في الشعر والحياة ، ولكن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بما يشبه المعجزة ، لذا جوز لنفسه وهو يعرض علينا أفكاره وأحلامه ، أن يتصور أنه سيصلح البشرية ، كما يفعل الرسل ، فقدم بين يدي هذه الأحلام فكره ورؤاه كرسالة أرضية إصلاحية ، وقد تردد هذا الصوت الإصلاحي في القصيدة بدرجة لافتة ، مما دعا بعض الباحثين إلى جمع المفردات التي تشير إلى الرسالات والرسل وعلق عليها ، ورأى أن درويش شاعر اشتراكي ، " يحفل نصه بازدواجية تربط بين الشاعر والنبي ، ثم التحلل من إعطاء الشاعر دور النبي"(39) ، وأرى أن البحث عن سياق هذه الألفاظ في النص ، والنظر في أبعادها الدلالية ، يزيل اللبس ، وذلك على النحو الإصلاحي الذي بينته في العبارة السابقة.
وبعد أن لقنته المرأة المجهولة اسمه وغابت أو غاب هو في الممر اللولبي استجمع قوته وإرادته وشرع في تصور حلمي لنفسه حسب هواه ، فانتقل من الفكرة التي تلمسناها معه ، إلى الطائر والشاعر والكرمة ؛ يأتي صوت المرأة لتلقينه اسمه ثانية ، وهي المرأة نفسها التي غابت في الممر اللولبي في مفتتح القصيدة ؛ لأنها تغيب في الممر ذاته الذي يراه مرة لولبي وأخرى أبيض ، ولكنها في هذه المرة تأتي لتؤكد له على بعض الأمور :
هذا هو اسمك , فاحفظ اسمك جيدا !
لا تختلف معه على حرف
ولا تعبأ برايات القبائل ,
كن صديقا لاسمك الأفقي
جربه مع الأحياء والموتى
ودربه على النطق الصحيح برفقة الغرباء
واكتبه على إحدى صخور الكهف ,
هنا ، بعد هذا الوعي الراشد ، الناتج عن تعليم وتلقين المرأة ، يتوحد الشاعر مع اسمه ويقول :
سنكون يوما ما نريد
فيمضي رحلته مع اسمه في فضاءات أخرى تبدأ بفضاء قصيدته التي رآها خضراء عالية ، وهو صوت شعري يتكرر في الجدارية ، التي يكتبها على مهل ، ويجعل أرضها خضراء ، فيصبح لون أرض القصيدة لازمة من لوازم الجدارية وصوتاً شعرياً يتردد فيها .
والجدارية ترتفع في لغتها إلى حنكة الحكماء وتجارب الغرباء ، ويرى الشاعر أنه لم يبلغ من المعرفة إلا اليسير، فهو لا يعرف من الأزهار إلا ما يلفت النظر في فضاء الحقل – شقائق النعمان – أما القصيدة الآن فهي ملأى بالعقل والحكمة مستوية التفكير والعظات إنها عالية في الحسن , ولا شيء عالٍ سوى كلام الله فلعلها تكون حين إبداعها عند الفجر مستوحاة من عبق رضا الله على الشاعر ، فيسيل لسانه حكمة :
لا الرحلة ابتدأت , ولا الدرب انتهى
لم يبلغ الحكماء غربتهم
كما لم يبلغ الغرباء حكمتهم
ولم نعرف من الأزهار غير شقائق النعمان ,
فلنذهب إلى أعلى الجداريات :
أرض قصيدتي خضراء , عالية ,
مثل هذه المكانة للشعر والشاعر ترفعه عن أن يكون كالشعراء الذين يتبعون أهواءهم ، وتنطقهم الحياة اللاهية والغانيات ، لذا فهو يترفع عن مثل تلك الأحوال رغم طول تجربته مع النساء :
في كل يوم تعبث امرأة بشاعرها
ويأخذ الترديد الصوتي للمرأة شكلاً حوارياً مصاحباً للشاعر من أول القصيدة إلى آخرها ، يقول :
من أي ريح جئت
ويقول :
في الجرة المكسورة انتحبت نساء
الساحل السوري من طول المسافة
تنقل الجدارية المتلقي في الحديث عن المرأة والشباب ، إلى مستوى بلاغي جديد تماما وتتنامى عبر" جمل شعرية ذات معمار إيقاعي ساحر قادر على أن يجمع بين الغنائية الهامسة تارةوالإنشاد المفاجئ ثانية والبوح الحميم ثالثة " (40) يتنازع هذا المعمار الإيقاعي ، الصوت الشائع في الجدارية ، والذي يتنوع بين قوة الإرادة وضعف المرض ، وقد حرص الشاعر أن يفاجئنا بقوة الشباب وعنفوانه ، وذكريات الماضي الجميل :
ولدنا في زمان السيف والمزمار
بين التين والصبار .
وكنى عن الشباب بالصدى :
قال الصدى :
لا شيء يرجع غير ماضي الأقوياء
على مسلات المدى ... .....] ذهبية آثارهم
ذهبية [ ورسائل الضعفاء للغد ,
وفي موضع آخر يطل علينا الصدى قائلاً :
قال الصدى :
وتعبت من أملي العضال . تعبت
من شرك الجماليات
إنها إطلالات ذكريات الشباب من نافذة الكبر والضعف ، إنها إطلالات ستتكسر على أعتاب اللقاء مع المرأة :
في كل ريح تعبث امرأة بشاعرها
ــ خذ الجهة الذي أهديتني
خذ الجهة التي انكسرت ،
وهات أنوثتي ،
ثم تأتي المرأة وتكون أكثر وضوحا هذه المرأة ، إنها الممرضة التي تطمئنه قائلةً :
تقول ممرضتي أنت أحسن حالاً
وتحقنني بالمخدر : كن هادئا
وجديرا بما سوف تحلم
عما قليل
هنا تنبثق رؤى وأحلام بعضها منطقي ، وأكثرها غير واقعي ، إنها رؤى مصطنعة ، لا ضابط لها يحكمها ، ولا رابط يجمعها ، إنها رؤى تؤسس لفكر بعيد كل البعد عن طبيعة الأحلام , فيرى طبيبه سجانا ، ويرى أباه مغمى عليه من ضربة شمس مجازية حارقة ، يطلب من رف من الملائكة أن تطفئه , ثم يخبر أنه رأى رؤية أقرب إلى الحالة السياسية منها إلى الحلم ، حيث رأى شبابا مغاربة ـ وقد كثر اليهود المغاربة في فلسطين ـ رآهم يلعبون الكرة لاهين ، وهم يقذفون الشاعر بالحجارة ويقولون له : أترك لنا أمنا (الأرض ، والوطن ) , ثم يعرج على رؤيتين يرى ويجلس فيهما مع فلاسفة و شعراء عرب وأجانب ، لأسمائهم علاقة رمزية بالشعر والنقد والحياة ويرى رفاقه الثلاثة ينتحبون ويخيطون له كفنا بخيوط الذهب إنهم رفاق الحزب اليهود الذين حزنوا على فراقه وعلى هجرته ، وعدوها موتاًً ، لكنهم يعرفون قدره ، ويحفظون وده , فيعبرون عن هذا الود بخيوط الذهب ، التى يجهزون بها كفنه ، وتمر على ذاكرته رؤية استقباله في البلاد العربية مهاجرا تفتح له تلك البلاد ذراعيها مرحبة لتكون له أما ثانية يعيش فيها ، ولكن بشروط اللياقة وقوانين تلك البلد يكون جديرا بالتحية ولقمة العيش ، يقول :
رأيت بلاداً تعانقني
بأيد صباحية : كن
جديراً برائحة الخبز . كن
لائقاً بزهور الرصيف فما زال تنور أمك
مشتعلاً ،
والتحية ساخنة كالرغيف !
صوت الموت :
إن المضامين المختلفة التي تناولها محمود درويش في جداريته تحمل أصواتاً متباينة ـ نظراً لطول الجدارية ـ وهذه الأصوات متساوقة مع أفكار الشاعر ومعبّرة عنها ، فضلاً عن الموسيقى الخارجية التي تضمها ، واللغة التي تنسجم معها ، ويعد صوت تحدي الموت الذي ينبثق عن التحاور معه ، أو التحدي له ، أو مصانعته ومصاحبته في بعض الأحيان ، من أكثر الأصوات الشعرية انتشاراً في الجدارية ، مما دعا البعض إلى نسبة الجدارية إليه وأطلق عليها جدارية الموت (41) ، إن هذا التنوع في صوت الموت عند محمود درويش يشبه سنن العرب في قصيدة الرثاء من وجه ، وإذا كان الرثاء عند العرب فرع المدح لما فيه " من ذكر محاسن الميت ومآثره ، وقد يضيفون إلى ذلك هجاءً وتهديداً لأعدائهم ، وافتخاراً بأنفسهم " (42) ، فإن الرثاء بهذه الصفة يحمل أصواتاً عالية متعددة . وإذا ما تتبعنا الصوت المعبر عن جدلية الموت وصراع محمود درويش الطويل معه في الجدارية ووقوفه متصدياً له ومتحدياً إياه ، ومراوغاً أحياناً ؛ فإننا سنجده صوتاً قوياً عالياً صارخاً ، ولعله من مصادر الإجادة في الجدارية ، وقد قيل لأعرابي ما بال المراثي أجودَ أشعاركم؟ قال : لأنَّا نقول وأكبادنا تحترق(43) ، والمراثي تتصل بموضوعنا وهو جدلية الموت عند درويش ، وقد لفت تحدي درويش الموت في الجدارية أنظار بعض الباحثين مما دعاه إلى القول (44) : " ولعل الملفت في جدارية محمود درويش ، أنه ولأول مرة تحدى الموت وحاوره وانتصر عليه وبلغ به التحدي حد المواجهة " إذ يقول :
أيها الموت انتظرني خارج الأرض ،
انتظرني في بلادك ، ريثما أنهي
حديثاً عابراً مع ما تبقى من حياتي .....
ويا موت انتظر ، يا موت ،
حتى أستعيد صفاء ذهني في الربيع
وصحتي ، لتكون صياداً شريفاً لا
يصيد الظبي قرب النبع
قد يختلف محمود درويش في حديثه مع الموت قوة وضعفا ، ولكن القوة والإصرار يلازمانه عند حديثه عن قصيدته وشعره ، وهو إذا قبل الهزيمة أمام الموت في شخصه ، فإنه لايقبلها لشعره فهزيمة الموت للشاعر ، يقابلها هزيمة القصيدة للموت لبقائها خالدة على مر الزمان .
لقد اختار الشاعر لقصيدته اللون الأخضر ليعزز فكرة استمرارها حية :
هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين
فاصنع بنا واصنع بنفسك ما تريد ، هزمتك يا موت
وما زال الشاعر يصر على هذا الصوت النابض بالحياة لقصيدته وشعره ، ناثراً إياه في خمس مواضعَ تشهد خضرة قصيدته ونضرتها وعلوها ، وبعد أن بين هزيمة الموت على أعتاب الفن الشعري , يذكر ما له من قصيدته وحظه منها .
خضراء أرض قصيدتي ، خضراء عالية
.... لي منها : تأمل نرجس في ماء صورته
ولي منها وضوح الظل في المترادفات ودقة المعنى ..
ولي منها : حمار الحكمة المنسي فوق التل
الخاتمــــــــــــــــــة
بتوفيق من الله جلَّ جلاله ، أتممت بحثي هذا ، وأعانني سبحانه على تحديد دقيق للمقصود من الجداريات الشعرية ، فرفضت اتصالها بمعنى التعليق على الجدار و عدها نوعاً من المعلقات وغلبت مفهوم الخدع البصرية المصاحب لاستعمال الصور الجداريه في العصر الحديث ، والتي تضفي على المكان سعة وجمالا ، وبذا أكون قد حددت المعنى الجمالي الدقيق للجداريات الشعرية الحديثة ، كما أراه ممثلاً في جدارية محمود درويش .
وقد لاحظت أن مفتتح القصيده و ختامها ينتميان بشكل لافت إلى التشكيل البصري ، فقمت بمناقشة موضوع براعة الاستهلال ، وانطلقت إلى إمكانية التوسع في هذا المفهوم ، وأقمت الدليل على ذلك ، من خلال تحليل نقدي دقيق استوعب المقاطع الشعريه الأربعة الأولى من الجدارية استناداً إلى طول الجدارية ، و اختلاف مستويات التعبير فيها ، و مناسبة ذلك للجدليات الفكرية المتنوعة في مضمون الجدارية .
واقتضى الحديث عن الاستهلال الحديث عن حسن الخاتمة ، وهو مفهوم شعري نستحضر قيمته الجمالية من التراث ، ونربط به بين الحداثة والأصالة ، وكما رأيت توسع الشاعر في الاستهلال ، وجدته أيضا قد توسع في الخاتمة ، فاستوعب ثلاثة مقاطع شعرية ، ركز فيها على التصوير ، المصاحب للحس الجمالي المطلوب في النهايات ، وذلك ـ فيما أرى ـ لعدم مناسبة الحديث عن اسم الشاعر فقط في هذا المقام .
وفي المبحث الثاني تحدثت عن التشكيل السمعي بدءاً من علاقته بالمتلقين وأسميته الحالة العكاظية ، و لما كانت الجدارية ملحمة تستلهم الماضي و تخاطب الحاضر و تستشرف المستقبل كان من الضروري التعريج على أثر الصورة الذهنية المستقاة من الماضي الغائب في تشكيل الصورة التي يلج الشاعر بها عالم النص ، وتتناهى إلى سمعنا في الوقت الحاضر .
و رأيت أن تشكيل فضاء ، النص في الجدارية أكبر من أن يستوعبه عاملا التصوير البصري و السمعي ، و ذلك لهيمنة الجانب الفكري عليهما معاً ، لذا و جدت أنه من المناسب أن أسلك الأصوات المدوية في قلب الشاعر و عقله ، و في وجدانه و فكره ، في قالب تصويري آخر فكان مبحث الترديد الصوتي ، الذي بدأته بتحديد معنى الترديد الصوتي ، وخالفت من رأى الترديد تكراراً ، ثم عكفت على رسم صور الأصوات التي رددها محمود درويش في جداريته .
و في نهاية البحث أرجو أن أكون قد أستطعت أن أقدم شيئاً يسيراً أضيفه إلى دوح الأدب و النقد و أخص به قمة من قمم الشعر العربي الحديث ، ذلك هو محمود درويش ، و الله الموفق .
الباحث : د. محمد بكر/ محمد سلمي
الهوامش والحواشي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بدوي ، أحمد زكي ، انظر معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية. مكتبة لبنان، 1986. ص 379.
(2) خليل ، خليل أحمد ، مبنى الأسطورة. دار الحداثة، بيروت، 1979. ص : 226 .
(3)الشيخ ، خليل الشيخ ، جدارية محمود درويش بين تحرير الذات ووعي التحرر منها ، ( بحث ) نشر في مجلة نزوى الأدبية الفصلية ، الأردن ، العدد 25 ، يناير 2001م ، ص 1 .
(4) " الجدارية في التراث العربي ترتبط بالمقدس قبل الإسلام ومعه ، ألم تعلق المعلقات المذهبات المسمطات على أستار الكعبة وجدارياتها ... " العمراوي ، أحمد العمراوي ، بقول الشاعر ـ دراسات في الشعر الحديث ، دار الأمان للطباعة والنشر ، الرباط ، ط1 /2008 م ، ص : 259 .
(5) هلال ، د. محمد غنيمي ، انظر النقد الأدبي الحديث، دار العودة، بيروت، 1973م ، ص : 418 .
(6) إبراهيم ، صاحب خليل ـ قصيدة النثر: حقيقتها ، أبعادها، مفاهيمها ، ( بحث ) ، نشره في مجلة الثقافة، بغداد، العدد الثالث ، السنة الثالثة، 1973م ، ص 47 .
(7) القيرواني ، الحسن بن رشيق ، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ، ط/ دار الجيل ـ1974، ج1/ 218.
(8) عبد الفتاح ، محمد عبد الفتاح ، دينامية النص : تنظير وإنجاز ، ط1 /1987 , ص 72 .
(9) الغزالي ، أبو حامد الغزالي ، إحياء علوم الدين ، ط / دار الشعب ، القاهرة ، (د . ت) ، ج 8 : 1370 .
(10) الياسري ، عصام ، محمود درويش أيها الموت انتظرني حتى أعود ( بحث ) منشور 1998 ص3 .
(11) الجرجاني ، عبد القاهر , أسرار البلاغة ، دار المسيرة، ط3، بيروت 1403 هـ: 35 .
(12) 9دويكات ، مازن ، الخطاب المتعدد في جدارية محمود درويش ،( بحث ) ، يقول : " الغياب الجسدي للمرأة، هو تغييب لصوت الشاعر عن المرئي والمسموع، وانتشار له في الغيبوبة البيضاء ، ص4، ويقول في موضعٍ آخر : بعد ذلك تعود الأمور مع " أنا " الشاعر كما بدأت، عودة إلى غيبوبة البياض ، ص6 .
ــ الرموتي ، حسن ، دلالة الموت عند محمود درويش ، ( بحث ) ، يقول : " وفي غيبوبته يرى ريني شار يجلس مع هيدجر والمعري يطرد نقاده " ، ص3 .
ــ معتصم ، محمد ، محمود درويش : مبدأ المقاومة وأشكالها الشعرية ، يقول : " البياض والعماء الكلي للحواس ، وحالة الغيبوبة ، وهي ناتجة عن إحساس ممزق بين معرفة سابقة وبين وجودها الملتبس " ص3 .
(13) أبو ديب ، كمال ، مجلة فصول القاهرة , المجلد الرابع العدد الثالث ، ص 38 .
( 14) اليازجي ، الشيخ ناصيف ، انظر مجموع الأدب في فنون العرب ، ، لبنان ، ط 12/ 1884م ، ص 91 .
(15) الكهف : 19.
(16) بنت الشاطىء ، د . عائشة عبد الرحمن ، أبو العلاء المعري ، الدار المصرية للتأليف والترجمة ، ط 1965م ، ص 58.
(17) خليل الشيخ ، جدارية محمود درويش ، ص 7 .
(18) الشريف المرتضى، أبو القاسم علي بن الحسين ، ـ طيف الخيال ، تحقيق د.صلاح خالص ، مطبعةدار المعرفة، بغداد 1957، ص 4 .
(19) القيراواني ، الحسن بن رشيق ، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ـ ط / دار الجيل ـ1974ـ ج1،ص239
(20) الفقي ، د. ابراهيم الفقي انظر / البرمجة اللغوية العصبية NLP وفن الاتصال اللا محدود ، منشورات ابداع ، مصر 2008 م ، ص 135 .
(21) روبرت شولز ـ البنيوية في الأدب ـ ترجمة حنا عبود ـ دمشق 1984 ص 39 .
(22) العمراوي ، أحمد العمراوي، الشعر المحمود ، قراءة في جدارية محمود درويش ، ( بحث) منشور في المغرب 2008 م ، ص 2 .
(23) الياسري ، عصام الياسري ، محمود درويش أيها الموت انتظرني ... ، ( بحث ) منشور 1998 ص3
(24) السابق ، ص 4.
(25) ابن خلدون ، أبو زيد ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي ، المقدمة ، ص 454.
(26) المرزباني ، محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بين عبيد الله ، الموشح في مآخذ العلماء على الأدباء ، تحقيق علي محمد البجاوي، القاهرة ، 1965م ، ص 39-40،
ينظر العمدة لابن رشيق ، ج 2/313.
(27) الجرجاني، عبد القاهر، أسرار البلاغة ، 1983م ، ص 85 .
(28) القرطاجني ، أبو الحسن حازم القرطاجني ، منهاج البلغاء وسراج الأدباء ، تحقيق محمد بن الحبيب الخوجة ، مطبعة دار الكتب الشرقية ، تونس 1966م ، ص 18ـ19.
(29) وارين اوستن ، ورينيه ويلينه نظرية الأدب ، ترجمة محي الدين صبحي ، مطبعة خالد الطرابيشي ، دمشق 1972م ، ص 241.
(30) ، ر. ل . بريت ، التصور والخيال ، ترجمة د.عبد الواحد لؤلؤة ، موسوعة المصطلح النقدي رقم 6، دار الرشيد للنشر ، دار الحرية للطباعة، بغداد 1979م ، ص 18.
(31) إسماعيل ، د. عز الدين ، التفسير النفسي للأدب، ، دار العودة ، بيروت 1963م ، ص 70 .
(32) القلماوي ، د.سهير القلماوي ، دار المعرفة بالقاهرة ، ط2 1959م ، ص 65 .
(33) إ.ا. ريتشاردز ، مبادئ النقدالأدبي، ترجمة د. مصطفى بدوي ، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، القاهرة 1963م ، ص 171 .
(34) العمدة ، ابن رشيق ، 1/199.
(35) ابن الأثير ، ضياء الدين ، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، قدم له وحققه وعلّق عليه د.أحمد الحوفي ود.بدوي طبانة، دار نهضة مصر ، (د:ت) ، ج1/252 .
(36) مبادئ النقدالأدبي ،( ريتشاردز ) ، ص 192.
(37) الجاحظ ، أبو عثمان عمرو بن بحر ، كتاب الحيوان ، ط / مصطفى البابي الحلبي ، ( د . ت ) تحقيق وشرح الأستاذ عبد السلام محمد هارون ،ج/3 ص :131ـ132.
(38) الشيخ ، خليل الشيخ جدارية محمود درويش بين تحرير الذات ووعي التحرر منها ، ( بحث ) منشورات مجلة نزوى الأدبية ، الأردن 2009م ، ص 8 .
(39) الأسطة ، د. عادل ، لو أن الأنبياء أقل إلحاحاً ، ( بحث) ، منشورات جامعة النجاح ، 2009 م ، ص4 .
(40) خليل الشيخ ، جدارية محمود درويش ، ص 27 .
(41) الياسري ، عصام الياسري ، محمود درويش : هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين ، ( بحث ) ، نشر 2008 م ، انظر ص 4 .
(42) العمدة ، ابن رشيق2/150 .
(43) البيان والتبيين ، دار الفكر العربي، بيروت ط4، 1968م ، ج2/330.
(44) عصام الياسري ، هزمتك ياموت ، ص2 .

(منتدى القصيدة العربية: 25 ــ 26 أكتوبر 2009)



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش .. الدال والدلالة / حسن البطل

29/11/2014 18:03:00


"محمود درويش حالة شعرية".. النقد موازٍ للنص وليس تابعاً له

29/11/2014 17:59:00


محمود درويش في صوفيا / خالد درويش

29/11/2014 17:27:00


فراشة محمود درويش تحط في عمّان

29/11/2014 11:39:00


لمن كل هذا الغياب أيها الدرويشي المتألق أبداً - محمد كتيلة

29/11/2014 11:35:00


عن التماهي مع الشاعر في حضرة غيابه/ ياسين الحاج صالح

29/11/2014 07:19:00


التنوع الأسلوبي والبنية التعبيرية للقصيدة : قناع أحمد الزعتر- عواد علي

29/11/2014 07:16:00


الاسبان حين يتحدثون عن محمود درويش ...

28/11/2014 10:10:00


"قراءة في قصيدة "سيناريو جاهز/ سوسن البرغوتي

27/11/2014 22:52:00


صورة المثقف في روايات عبد الرحمن منيف/ عبد الرزاق اسطيطو

25/10/2014 17:12:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 15

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة