تعزية         محمود درويش.. القصيدة والمعنى والمساء المعتق بنبيذ الكروم- عفراء بيزوك         " طباق" للشاعر محمود درويش / عائشة البصري - المغرب         نعي         محمود درويش واللقاء الأول - رنا قباني         قراءة سيكولوجية في نص " محمد " للشاعر محمود درويش- بقلم: سعاد جبر         محمود درويش من مواقف الغنائية إلى مقام التأملات..!... د.أسامة أبوطالب         محمود درويش يطلع بديوان جديد من وراء قبره / نبيل منصر         
 
 
New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

قراءة.. بمنزلة مسح عام في(لاأريد لهذه القصيدة أن تنهي) لمحمود درويش/ مقداد مسعود

 

17/01/2012 07:24:00

مقداد مسعود

قراءة ... بمنزلة مسح عام في
(لاأريد لهذه القصيدة أن تنهي)/ الديوان ألأخير
للشاعر محمود درويش
مقداد مسعود


(ان الحياة هي أسم
كبير لنصر صغير على موتنا)
محمود درويش

(وربما أنا ميت متقاعد
يقضي أجازته القصيرة في الحياة)
محمود درويش


بدءا.. أعلن أن الغياب الفيزيقي،لايضيف مديات للمغيب،بل يحفزني أن أستأنف حفرياتي المؤجلة،في خطواته ، الدائمة الخضرة وقد أكتملت
وحسب قوله الشعري(قل للغياب نقصتني وأنا حضرت
لأكملك)*
والحاضر المكتمل الحضور،مكشوف عنه الغطاء،لذا فهو يرى مالايراه سواه:
(أرى الغياب بكامل ألأدوات،
ألمسه وأسمعه،ويرفعني الى
ألأعلى.أرى أقصى السماوات القصية.
كلما مت أنتبهت،ولدت ثانية وعدت
من الغياب الى الغياب/111/ قصيدة /طللية البروة)


*خيمة الشفق: أرى الى الديوان ألأخير والى ديواني :(آثر الفراشة)و(أبعد من اللوز)،نسقا شعريا ثلاثيا :.. ينسجه الدرويش محمود،على نول القصيدة:خيمة من شفق يتدرج بألوانه وينافس قوس قزح،وبالطريقة هذه أحصل كقارىءللشفق.. على غراب ملون:
(هو هذا الذي يكتب آلآن هذه القصيدة
بدم أسود اللون،لاهو حبر الغراب
ولاصوته
بل هو الليل معتصرا كله
قطرة قطرة،بيد الحظ والموهبة/49/من قصيدة لاعب النرد)...

*قبل الدخول في خيمة الشفق الشعرية،سأحاول أن احصي أوتادها،وأستبق ألأحصاء بأعلان فشلي،لأن مديات الفضاء الشعري للدرويش محمود كلما توغلت القراءة فيها ،يكتشف
القارىء أحيانا ضيق أفقه أستجابته،وأحيانا يتساءل لمن الهيمنة للنص؟ أم لأسم الشاعر؟ وهذا التساؤل ..يحوره الشاعر للأسف الى أغتيال حسب مايصفه الشاعر في قصيدة(أغتيال)؟..وهنا أتساءل هل اتسعت مهيمنة المقدس خارج حقله واستوطنت في حقول سواه؟ ولنقرأ قول الشاعر ذاته في هذا الخصوص:(أنني أحاول أن أقرأ لنفسي وأقرأ مايريد القارىء أن يسمع...وعندما نقول أمسية شعرية فهي
عبارة عن حفلة،وفي الحفلة يجب أن تطرب الذاكرة الشعرية
القديمة بإسمعهم نغما قديما/المجلة الثقافية/حاوره عبد الكريم العفنان/3/6/2006)..وهل في هذه الطريقة توصل شاعرنا،حقا الى حل المعادلة الصعبة.عبر.هذه الطريقة التوفيقية؟ حسب قوله في المحاورة آلآنفة الذكر(حللت المعادلة الصعبة:جمعت النخبة والجمهور في منظومة واحدة)....


*ألأوتاد:

1-أتصالية السردي/ الشعري.
2- اتصالية :الظاهرة – التكوين/نصيا
3- الحكي شعرا
4- تصنيع الغراب الملون
5- تجسير اللون
6- انتصار الماء
7- أنا من خلال سواي/تقنية الحوار
8- فاعلية التسمية.

هذه قدرتنا الشخصية في احصاء أوتاد الخيمة الشعرية،في (لاأريد لهذه القصيدة أن تنهي) الديوان ألأخير للشاعر محمود درويش .وما أوهنها من قدرة ..لذاعلى فطنة القارئة والقارىء اعتمد،لإضافة أو حذف أوتادا،أو تغيير العمارة الشعرية التي شيدتها أستجابتي عبر أفقها.

*الشعري /السردي:

(هانحن نروي ونروي بسردية
لاغنائية سيرة الحالمين/68ص)

نلاحظ ان الشاعر،كأنه يقترض من أليات (الميتارواية)،حيث يخبرنا المؤلف أنه سيوظف التقنية التالية في المتن الروائي*
هذا ألأقتراض،يمكن ان أراه فعلا أستباقيا،يبادر به الشاعر ،ليفوت على القارىء/الناقد،براءة ألأكتشاف.*.ثم يكررفعل ألأستباق شاعرنا درويش في قوله:
(في ثنائية الشعر والنثر
لاالنثر نثر ولاالشعر شعر/ص74) ...
مابين القوسين،يعيدني الى المقتبس الذي استقبلني كقارىء ل(كزهر اللوز أو أبعد)..جاء في المقتبس الذي أقترضه الشاعر محمود درويش من أبي حيان التوحيدي:
(أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر،ونثر كأنه نظم)..نلاحظ ان الشاعر يقترض من التوحيدي، مقتبسا،ليستعين به على تمردات القراءة لدى القارئة والقارىء، وكذلك ليؤكد لهما أن أشتغاله الحداثي متأصل في التراث..وقد دعى اليه الناثر الكبير ابو حيان التوحيدي.

ان الوعي الشعري المتقدم بأمتياز وجدارة عند محمود درويش،يجعله يؤمن ب(التعايش السلمي بين ألأجناس ألأدبية)،حيث ليس هناك خطوط حمر، بمصدات مدببة كالتابوهات / تابو...وهذا التعايش السلمي، يعتمد على مدى قدرات منتج النصوص ،وتحديدا كم هي نسبة الطراوة في محمول النصوص ذاتها...
كقارىء أرى ان للشاعر محمود درويش قدرات هائلة في بث الشعري في السردي*وفي تحويل الهامشي الى الجوهري.واذ(كانت بدايات درويش سيابية متأثرة بتدفق لغته ومعماره الباذخ وتحرر المقيد)*فأن في مرحلته المتقدمه(سيلتقط بدوافع أيدلوجية وفنية كسرات من شعر سعدي يوسف ليركن الى ألأليف واليومي ويغادره صوب قصيدة خاصة تنصهر في معمارها شتى المؤثرات حتى التراثية منها/ص130) *حسب الناقد حاتم الصكر.
هذه القدرات العالية يبذل الشاعر جهدا أستثنائيا لتفريغها في(لاعب النرد) وفي القصيدة/ثريا الكتاب،اعني (لأاريد لهذه القصيدة أن تنتهي) فالشاعر هنا يشعرن سرديات سيرته الذاتية،التي بدأها مع مجموعته(جدارية)
كما فعلها في(آثر الفراشة)و(كزهر اللوز أوأبعد)
شعرنة السرد،تتضح أكثر،اذا غيرنا التنضيد الطباعي
كما هو في كتبه(شيء من الوطن)أو(يوميات الحزن العادي).
فهي من كتبه السردية،والكتاب ألأول،نشره في أوائل سبعينات القرن الماضي..لكنه لفت نظر القراء والنقاد بمحموله الشعري رغم سرديته..منذ ذلك ألأصدار الذي
لاتخبو شمسه،ومن خلال متابعتي الشخصية،تأكد لي أن أتصالية السردي/الشعري..صيره الشاعر ضمن أستراتيجياته
الشعرية الخاصة،بصمة الدرويش محمود وتوقعيه الفني...وقد بلغ الذروة في تشعير سيرته الذاتية في (لاعب النرد) و(لاأريد لهذه القصيدة أن تنتهي) لكنه في قصائد أخر كانت الفكرة /ألأيدلوجيا جاحظة والفني ضامر كما هوالحال في القصائد التالية:(سيناريو جاهز)الذي يتناول الصراع الفلسطيني ألأسرائيلي،على طريقة التمثيليات التلفزيونية الباردة.ولولا ضيق المساحة لثبت القصيدة للقارئات والقراء،وهذا ألأمر ينسحب على (واقعيون) و(لو ولدت) و(هنالك حب بلا سبب)،(لن أبدل أوتار جيتارتي)(كلمات).... وقد نجد تبريرا لدى ديريدا في هذا الصدد وهو يتناول أستقلالية النص عن منتجه ( فالكاتب يكتب بلغة ومنطق انما نسقها وقوانينها وحياتها الخاصة أشياء لايستطيع خطابه بالتحديد أن يهيمن عليها بشكل مطلق.بل هو يستخدمها فقط بالسماح لنفسه،تبعا لطريقة بعينها وحتى نقطة محددة أن يكون محكوما بالنسق،ويجب على القراءة أن تهدف دائما الى علاقة معينة،غير مدركة من قبل الكاتب ،بين مايسيطر عليه وما لايتحكم فيه ..وليست هذه العلاقة توزيعا كميا معينا للظلال وألأضواء لمواطن الضعف والقوة ، لكنها بنية دالة لابد أن تنتجها قراءة نقدية )..ودرويش نفسه يعي أستقلالية النص عن منتجه وهذه شهادته الشعرية، على ذلك:
(لادور لي في القصيدة
غير أمتثالي لأيقاعها:
حركات ألأحاسيس حسا يعدل حسا
وحدسا ينزل معنى
وغيبوبة في صدى الكلمات
وصورة نفسي التي أنتقلت
من أناي الى غيرها.
لادور لي في القصيدة ألأ
اذا أنقطع الوحي
والوحي حظ المهارة اذ تجتهد/43-44/لاعب النرد)
ومن جهة ثانية ليس محمود درويش من الموتى حتى ينبرى
احد الواعظين ليرفع راية ناصعة هو ليس اهلا لها ،محرما علينا التعامل مع النصوص ضمن قراءة منتجة...هي تساؤلات مشروعة مع نصوص شاعر كبير بجدارة وأستحقاق،فهو( شاعر القضية ألأخطر في التاريخ العربي
وهو مع ذلك شاعر حداثي وهذه مفارقة لافتة،لأن أبرز ملمح
في شعر الحداثة هو غياب الموضوع وعدم تحديد وتشتت الدلالة،الحداثة تكمن في فتح النصوص الشعرية لمختلف
القراءات،دون ألأمساك بالمعنى متلبسا بالعبارة،ودرويش
يسبح في فلك معروف مسبقا،مما يجعل حداثته من نوع
خاص يقترب من الشعر التعبيري الملموس/ص100-101)
حسب الناقد صلاح فضل..


*النص الظاهرة
كقارىء أرى ضمن آليات القوى الشعرية ،لدى درويش،ان يقوم بتأثيل نصا شعريا ،يكون له ،على مستوى فاعلية البث
وظيفة النص الظاهرة الذي تتغذى عليه نصوص شعرية آخرى
فالنص –حسب جوليا كريستيفا- ليس معطى مستقلا بذاته،بل هو شبكة من العلامات ،تؤسس وتعدم وتستقطب نصوصا أخرى،والنص وجود يختزن نواة أولى بمثابة الخلية أو الخميرة التي أخرجها الكاتب من حيز ألأمكان الى حيز الوقوع.وتفصل كريستفيا بين النص الظاهرة(phenol-texte) والنص التكوين(Geno-texte)..سنضع الفاصلة بين العنوان مفردة (مولد) حيث يكون النص الذي قبلها هو النص الظاهرة،او ما بعد مفردة(مولد) فهو نص تكويني.
*لاأريد لهذ القصيدة----/مولد---قصيدة:كأن الموت تسليتي
*نهاية قصيدة (لاأريد -----مولد :قصيدة/لن أبدل جيتارتي.
*فروسية--------/مولد—مهيمنة الماء في المجموعة الشعرية
*من كان يحلم--------:أتصالية ألأنا/آلآخر
*عينان--------أتصالية اللون في قصائد المجموعة .


*الحكي شعرا:
الحكي :فضاء السرد وقميصه،وفي السرد منجاة (شهرزاد)...منجاتها من دمائية سلطة شهريار،وتخصيب
سيرورة الميكانيكي/ الزمن ..بجمالية المحكي/ألأدب ..
لكن المتتبع لنتاج درويش ،يلاحظ أن الحكي يلهمه(قانون الشعرية)..ولهذا القانون طراوة الماء،التي تبث في السردي
موسيقى الشعر وطاقته آلآسرة، ضمن فضاء الدلالة وأنزياحتها اللذيذة وها نحن نرى تماهي السردي في الشعري
(شعرية الذات التي تحتضن الكون بهشاشة مثيرة،اذ تكشف أدق أسراره ببراءة خطيرة) بحسب الناقد صلاح فضل*
كما نلاحظ كيف يدس الشاعر حكاية بسيطة بلا تجاعيد تعقيد في قصائده:(ماأسرع الليل)(ليل بلا حلم)(قمر قديم)(هذا المساء)(طللية البروة)(فروسية)(مسافر)(نسيت لأنساك)

*مهيمنة الموت أو تصنيع الغراب الملون
سوف نثبت سطوع هذه المهيمنة من خلال مقتبسات من نصوص المجموعة..وقد بدأت هذه المهيمنة تمتد أجنحتها
منذ(جدارية)مجموعته الشعرية،الذي جاءت بعد عملية القلب المفتوح التي أجراها...
من الكتاب الذي بين يدينا سنثبت هذه المقتبسات:
(لايكترث التاريخ بألأشجار والموتى/18)
(وعلى الموتى هنا آلآن أن يستنسخوا
أسماءهم،أن يعرفوا كيف يموتون فرادى/18من قصيدة/ههنا آلآن وهنا آلآن)
(ربما أرجأت تفكيري به،عن غير قصد،ربما
خبأت خوفي من ملاك الموت عن قصد،
لكي أحيا الهنيهة بين منزلتين:
حادثة الحياة وحادث الموت المؤجل ساعة
أو ساعتين،وربما عامين/23/قصيدة بالزئبق أمتلأ الهواء)
(لاأحب ألأقحوان على قبور ألأنبياء/29/على محطة قطار سقط عن الخريطة)
(أتركيني آلآن كيف أخلو الى الموت ونفسي/31)
(هناك موتى يوقدون النار حول قبورهم/32)
(ولم يحمل شهادة موته/33)
(أختي صرخت ثم ماتت/37/قصيدة لاعب النرد)
(من سوء حظي أني نجوت مرارا
من الموت حبا/45)
(فلنحتفل بسوناتا القمر
وتسامح موت رآنا معا سعداء
فغض النظر/52)
(وأن الوفا من الجند ماتت هناك/52)
(يموت الجنود مرارا ولايعلمون/53)
(فأنادي الطبيب قبيل الوفاة بعشر دقائق /55)
(في هذه الحفرة،قبرنا المشترك/60/قصيدة سيناريو جاهز)
(أقترب الموت مني/65/من قصيدة لااريد لهذه القصيدة..)
(أغني لكي أغري بالموت بالموت/74)
(لن نموت هنا/76)
(أن الحياة هي أسم كبير لنصر صغير على موتنا/81)
(ألتقيت بموت صغير/82)
(ألتقيت بموت صغير/82)
(أخاف أن لاأكتب السطر ألأخير من القصيدة/95من قصيدة الخوف)
(لكي يخجل الموت منه/99/من قصيدة /اذا كان لابد )
(كي لاأوقظ الموتى/101)
(كلما مت أنتبهت/111)
(لالأرثيه.../112/من قصيدة موعد مع اميل حبيبي)
(..قبل موتي/112)
(حين متنا معا/117/في بيت نزار قباني)
(نقتفي آثار موتانا/120/من قصيدة رام الله
(لم يمت مثلي ومثلك/121)
(لأني مت بعيدا عن النائمين/134/من قصيدة لن ابدل اوتار جيتارتي)
(موتى يفرون من قبورهم/ 138)
(رائحة الموت/141)
(زهر جميل على مقبرة)
(كأن الموت تسليتي/147/عنوان قصيدة والسطر ألأول منها)

نلاحظ ان الغراب يرافق صفحات الكتاب التي هي(154)صفحة حيث تتكرر مفردة الموت ومشتقاتها.
(34) مرة...
نلاحظ كيف ان هذا الغراب ألأسحم،يفتح جناحيه في طيران خفيض فوق الشاعر،لكن شاعرنا بقدر ما ألف هذا الغراب
أخذ يلون ريشاته بقوس قزح قصائده..هاهو يقول(بقية حياة)أحدى قصائد مجموعته (أثر الفراشة):
(اذا قيل لي:ستموت هنا في المساء
فماذا ستفعل فيما تبقى من الوقت؟
أنظر في ساعة اليد/أشرب كأس عصير
وأقضم تفاحة/ وأطيل التأمل في نمة وجدت رزقها
ثم أنظر في ساعة اليد
مازال ثمة وقت لأحلق ذقني
وأغطس في الماء/أهجس:
لابد من زينة للكتابة/فليكن الثوب أزرق
أجلس حتى الظهيرة حيا،الى مكتبي
لاأرى أثر اللون في الكلمات/بياض بياض بياض)..أنه يمحو موته بكتابته شعرا،فالشاعر لابني للموت بل يوسع من مديات حيواتنا كلنا..ولاندري لماذا يذكرني بكتابات المفكر الكبير سلامه موسى،في مؤلفاته التي يدعونا فيها للتقدم بفرح نحو الحياة حين يتقدم العمر بنا كما حاصل في كتابيه(الحياة بعد الخمسين) و(الحياة بعد الستين)..وهاهو درويش يتغنى:
(للحياة أقول: على مهلك،أنتظريني
الى أن تجف الثمالة في قدحي...
في الحديقة ورد مشاع،ولا يستطيع الهواء
الفكاك من الوردة/
انتظريني لئلا تفر العنادل مني
فأخطىء في اللحن/
في الساحة المنشدون يشدون أوتار آلآتهم
لنشيد الوداع. على مهلك اختصريني
لئلا يطول النشيد،فينقطع النبر بين المطالع
وهي ثنائية والختام ألأحادي:
تحيا الحياة
على رسلك أحتضنيني لئلا تبعثرني الريح/46/لاعب النرد)

الملاحظ هنا ان الشاعر أستقبل الموت بعادية ألألفة ولم يتوقف عن أفعاله الطبيعية:أنظر/أشرب/أقضم/ أطيل/ أحلق/أغطس/أهجس/ثم يختار ألأزرق لأستقبال الكتابة/فيصل الموت من خلال بنية البياض في الكلمات: بياض بياض بياض...وتكرار كلمة بياض توحي بدلة مدببة في قساوتها.
وفي كل هذه ألأفعال ،يؤكد الشاعر على قوة المواجهة .
وفي قصيدة(لاأريد لهذه القصيدة ان تنتهي)،يواجه الغراب بغصن من الهديل:
(في وسعنا أن نحب
وفي وسعنا أن نتخيل أنا نحب
لكي نرجىء ألأنتحار،اذا كان لابد منه
الى موعد آخر...
لن نموت هنا آلآن،في مثل
هذا النهار الزفافي،فأمتلئي
بيقين الظهيرة،وأمتلئي وأملئيني
بنور البصيرة/76) ويمتد الغصن ليستظل به عاشقان
:(أن أطلنا الوقوف على النهر أو
لم نطل.سوف نحيا بقية هذا
النهار.سنحيا ونحيا.وفي الليل،
ان هبط الليل،حين تنامين في
كروحي،سأصحو بطيئا على وقع
حلم قديم،سأصحو وأكتب مرثيتي
هادئا هادئا/80)
ثم يفعل أتصالية كونية يتم فيها تبادل جميل
(قلبي الجريح هو الكون
والكون قلبي الفسيح
تعالي معي لنزور الحياة)
وهاهو الشاعر بكل عادية يتناول الموت كمن يلتقط شيئا سقط من بين يديه:
(لن نموت هنا آلآن،فالموت حادثة
وقعت في بداية هذي القصيدة،حيث
ألتقيت بموت صغير وأهديته وردة،
فأنحنى بأحترام وقال: اذا ما أردتك
يوما وجدتك/82)
يومىءهذا المقطع الشعري،الى ان قوة الحب(وردة) تتدفع الغراب الى تعليق الموت،وليس الى حذفه عن البشري /الشاعر...وأن البشري سيكون حيا ضمن مديات هي
طوع الغراب:(اذا ما أردتك يوما وجدتك) هذا الحتم /هذه الكتابة المحتومة تحبط أمنية البشري/الشاعرلايخفى الأمرعليه:
(فأنادي الطبيب،قبيل الوفاة،بعشر دقائق
عشر دقائق تكفي لأحيا مصادفة
وأخيب ظن العدم

من أنا لأخيب ظن العدم؟/55-قصيدة لاعب النرد).


*تجسير اللون:

منذ(محاولة رقم 7)،والشاعر محمود درويش يفعل مهارته في توظيف اللون شعريا، وليس هذا التوظيف براءة اختراع الشاعر فقد كان شاعرنا الكبيربلند الحيدري سباقا في هذا المضمار..ويمكن الرجوع لأعماله الشعرية الكاملة للتأكد من ذلك ،لكن الشاعر درويش أخذ يعطي اللون مساحات أوسع في (محاولة) و(أعراس)أو في(تلك صورتها وهذا أنتحار العاشق)...
تستوقفني هذه الكثرة اللونية في(عينان)أحدى قصائد(لاأريد لهذه القصيدة..)وسأقدم أحصائية بذلك:
(عينان تائهتان في ألألوان) هكذا تبدأ القصيدة ثم تتهاطل ألألوان:(خضراوان قبل العشب)
(زرقاوان قبل الفجر)
(تقتبسان لون الماء)
(تصوبان الى البحيرة نظرة عسلية فيصير لون الماء أخضر)
(تنظران الى الرمادي الحزين،وتخفيان صفاته)
(تهيجان الظل بين الليلكي وما يشع من البنفسج في التباس الفرق)
(تمتلئان بالتأويل،ثم تحيران اللون:هل هو
لازوردي أم أختلط الزمرد بالزبرجد والتركواز المصفى)
(تكحلان بنظرة لوزية طوق الحمامة)/22-23
شخصيا ان ثقل الحمولة اللونية،مارس تشويشا على افق استجابتي كقارىء ولم يمد جسرا نحوي كمتلق.
خلافا لذلك كان ألأمر في(محاولة رقم 7)أو(تلك صورتها)

في حين يجيء التوظيف منسجما في قوله(عصافير زرقاء،حمراء،صفراء،ترتشف الماء من غيمة تتباطأ
حين تطل على كتفك/71)أنها تنويعات لونية تفعل اتصالا بين الكثرة اللونية وبين الواحد الذي لالون له :الماء
وسنحصل على ألأقناع الفني نفسه في قوله:
(رأيتك من قبل حنطية كأغاني الحصاد وقد دلكتها السنابل)
(سمراء من سهر الليالي)
(بيضاء من فرط ما ضحك الماء حين أقتربت من النبع)
نلاحظ كيف يتشقق اللون بهرمونية عالية.
مرة من الزرع،وأخرى من لوعة الشوق،وثالثة من طراوة القرب..وفي كل سطر يوحي اللون بأنزياحات هامسة لذيذة
وكذلك في قوله(تغتسل ألأبدية في النهر...زرقاء؟
فلتأخذيني الى النهر/
قالت:سيأتي الى ليلك النهر
حين أضمك/67)..هنا تتضح عذوبة توظيف اللون وكيف يمتد جسرا في أفق أستجابتي كمتلق..في حين ألأسطر التالية،تجعلني أستعيد قراءة قصيدتين ألأولى/ألنص الظاهرة للشاعر لوركا،والثانية..النص التكوين للشاعر حسب الشيخ جعفر في(عبر الحائط في المرآة) مجموعته الشعرية الصادرة في أوائل سبعينات القرن الماضي...يقول درويش:
(أحبك خضراء.يا أرض خضراء.تفاحة
تتموج في الضوء والماء.خضراء.ليلك
أخضر.فجرك أخضر.فلتزرعني برفق...
برفق يد ألأم،في حفنة من هواء.
أنا بذرة من بذورك خضراء.../ص53/من قصيدة لاعب النرد).


*انتصار الماء:
(حاضري غيمة.....وغدي مطر/132)..
ألتقط هذا السطر الشعري من درويش،ربما أتمكن من صوغه مفتاحا لسر غزارة الماء،وسنكتفي آلآن
في تقديم احصائية لمفردة (ماء) وبالتالي مقارنتها بأحصائية مفردة (موت) آلآنفة الذكر:
كقارىء اعتبر قصيدة (فروسية) قصيدة مائية الفضاء وقد خصصتها بدراسة مستقلة ،أدرجتها ضمن نصوص مائية عربية في السرد والشعر،أشتغلت عليها وهي ضمن مخطوطة نقدية انتهيت منها في آلآونة ألأخيرة.
لذا سأورد قطرات الماء المتدفق في نصوص درويش:
(وطنيون كما الزيتون
لكنا مللنا صورة النرجس
في ماء ألأغاني الوطنية/15)
(ترتفع البلاد لترضع الغيم الشفيف/17)
(عينان تقتبسان لون الماء
ثم تصوبان الى البحيرة نظرة
عسلية فيصير لون الماء أخضر/20)
(بلا سبب يفيض النهر بي/وأفيض حول عواطفي/24)
(الشمس التي أفترشت سرير البحر/26)
(كيف جن البحروأنكسر المكان/26)
(لم أكن حجرا صقلته المياه/35)
(لادور لي في المزاج مع البحر/38)
(لادور لي في النجاة من البحر)
(كان يمكن ألأ أكون مصابا
بجن المعلقة الجاهلية
لو أن بوابة الدار كانت شمالية
لاتطل على البحر/39)
(أعمد ريشي بغيم البحيرة/42)
(أعتمادي على نفسي
وحنيني الى النبع/44)
(أطال تأمله في الهواء المقطر بالماء/49)
(السراب كتاب المسافر في البيد
لولا السراب لما واصل السير
بحثا عن الماء.هذا سحاب يقول
ويحمل أبريق آماله بيد وبأخرى
يشد على خصره ويدق خطاه على الرمل
كي يجمع الغيم في حفرة والسراب يناديه
يغويه، يخدعه ثم يرفعه فوق:أقرأ
أذا ماأستطعت القراءة وأكتب اذا
ماأستطعت الكتابة،يقرأ: ماء ،ماء،ماء،/50)
(من قال:حيث تكون الطفولة
تغتسل ألأبدية في النهر
فلتأخذيني الى النهر/67)
(أتركيني على ضفة النهر أحدى صفاتك/71)
(عصافير.....ترتشف الماء من غيمة/71)
(خذيني الى اللامكان...بتأويل ذاكرة الغيم/73)
(لاترجعي الى البحر يا أمرأتي زبدا/78)
(وقد راودتني الهات كل البحار سدى)
(..بيضاء من فرط ماضحك الماء/79)
(لي جبل
ملقى على الغيم/88)
(الروح تنتظر كأسا من الماء/90)
(للخوف لون الماء/95)
(كلما حدقت في الماء أمتلأت بنرجسي وغضضت طرفي/101)
(حجر يئن من الحنين الى السحابة/109)
(سأقضي نهاري على ساحل البحر/113)
(منذ تركت دمشق تدفق في لغتي بردى/116)
(فأن قليلا من البحر في الشعر يكفي لينشر
ألأزرق ألأبدي على ألأبجدية/119)
(حدق الى مرآة نرجسنا الوسيم)
(أقول جراح نرجسنا ستكسر المرآة/120)
(خلف النهر ينضج آخر الرمان/سوف ننام خلف النهر/127)
(تركتني على ضفة النهر..أحدى مزاياك/128)
(حاضري غيمة..وغدي ممطر/129)
(ننسى سيرة النهر،لكي نختصر الدرب الى البحر/130)
(السماء تنقحها غيمة/132)
(ماكدت أرنو الى زهرة اللوز
حتى حلمت بها..غيمة في
يد أمرأة لوحت من بعيد
لصورتها الصاعدة/133)
(أشعر بالماء يجرفني نحو طوفانه)...نلاحظ ان مفردة (ماء)او مايوحي بها تكررت(36) مرة ،وهي لم تتفوق على
مفردة(موت)..ألأ بفارق نقطتين.والملاحظة الثانية ان تموضعات الماء متنوعة ضمن(مخطط الصورة)،فهو علو مرتقب:غيمة أو متدفق عذب(نهر) أو أججاج(بحر)أو افق مجاور للماء(ساحل)أو جهة/حد فاصل(خلف النهر)أو عمق منغلق على نرجسيته(مرآة نرسيس)أو يكون الماء هو اللانهائي(ألأبدية)..هذه التنويعات جعلت فضاء الماء
أوسع مدى من فضاء الموت المغلق.

*أنا ..من خلال سواي:

في(لوعة الغياب)..نتعرف على الروائي الكبير عبد الرحمن منيف،من خلال: صداقاته الناصعة مع أعلام الثقافة العربية
: المسرحي سعد الله ونوس..الموسوعي جبرا ابراهيم.. جبراالروائي غائب طعمة فرمان،الجواهري الكبير،نزار قباني،جميل حتمل،حليم بركات،يوسف فتح الله،الباهي محمد،
بهجت عثمان،عبدالله الطريفي،حمد الجاسر،مؤنس الرزاز،
محمد شكري،سعيد حوارنية..والقاسم المشترك بين كل هذه ألأسماء المضيئة،ان التيجان التي على رؤوسها من تصنيع
نحتها حياة كريمة جديرة لنا،وان هذه ألأسماء أثلت(لوعة الغياب) كلما اوقد اسم منها شمعته ألأولى ...هناك في الشاطىء آلآخر
نتعرف على الروائي الكبير من خلال هذا الدفق الغزير الحميمي آلآسر الذي يكشف عن نسبة ألأخضر الزاهي في تعامل الروائي مع من يكتمل بهم في حضورهم والغياب.
هذه الفيوض ألمرهفة في تعاملها ألأنساني..نلمسها بضوء مماثل لدى شاعرنا الكبير محمود درويش في قصائده التالية:

*موعد مع أميل حبيبي
*في بيت نزار قباني
*في رام الله

في سبعينات القرن العشرين،ومن خلال مجاميعه الشعرية(عاشق من فلسطين)(آخر الليل )(الكتابة على ضوء بندقية)..كان درويش يشتغل بمهارة على توظيف تقنية الحوار وتعددية ألأصوات في القصيدة الواحدة...هذا التوظيف الحواري،مارس غواية كبرى على درويش
وصل الى حد التصريح(أنني مشبع بالرغبة في كتابة مسرحية شعرية)* ..لكن الذي حال دون ذلك ليس العامل الذاتي*بل ثمة عوامل موضوعية مدببة متأهبة ضد المسرح الشعري،يمكن للمتتبع ان يكتشفها بعد التجربة الكبيرة للشاعر الكبير صلاح عبد الصبور في المسرح الشعري*


في قصيدته عن أميل حبيي،نتعرف على درويش في مرآة الروائي أميل حبيبي:
(لالأرثيه جئت،بل لزيارة نفسي):---آلآخر هنا هو أنا الشاعر بكل شفافيتها
(لا لأرثيه،بل لنجلس عشر دقائق
في الكاميرا،جئت.كان الشريط معدا
لمعركة بين ديكين)
في هذا المقطع كقارىء للقصيدة لاأفكك شفرة(الكاميرا) ألأ في نهاية القصيدة
(كان يسخر منا ومن نفسه.
كان يحمل تابوته
هاربا من جنازته،قائلا: سينما
كل شيء هنا سينما ،سينما،سينما).
اما في قوله(معركة بين ديكين) فأن شفرة مفردة(معركة) فأن مفتاحها فى البنية ألأيدلوجية التي كانت حاضنة ألأثنين:الروائي والشاعر..
نعود الى قول الشاعر(كان يسخرمنا ومن نفسه
كان يحمل تابوته
هاربا من جنازته)..هل يرى درويش هنا رفيق عمره أميل حبيبي في مرآة السخرية فقط؟
ألم يتمنى على النقاد قراءة لقصائده بمقترب السخرية؟* وهل هناك سخرية أشد من قول درويش في قصيدة(اجازة قصيرة)
:(وربما أنا ميت متقاعد
يقضي اجازته القصيرة في الحياة).

*في قصيدته (في بيت نزار قباني)..
مفردة (بيت) تشع في أفق أستجابتي بسطر شعري رائع للشاعر روبرت فروست)البيت..هو المكان الذي
يجب أن نقبل فيه)..شخصيا حين زرت دمشق قبل عامين وقصدت بيت الشاعر نزار قباني ،وحدي دون فريق السفر كانت فعلتي،بدافع نرجسي،وبقوة تأثير جاستون باشالار علي وتحديدا كتابه المذهل(جماليات المكان)..شعرتني أنتهك حرمة الغياب ،وفي الوقت ذاته،تلبستني زرقة المكان بياسمينه الدمشقي..وفجأة رأيتني اقرأ في سيرة نزار بذلك الكتاب ألأنيق،الذي على قفاه: صورة الطفل المكلثم الخدين:نزار توفيق قباني..كنت قد قرأت الكتاب قبل ثلث قرن لكنني أستحضرته مثل شريط سينمي فتوزعت عائلته في بيته...لذا غادرت بيت الشاعر على أستحياء..هذه الحالة تعاودني آلآن وانا اقرأ وأستقرأ قصيدة درويش بجماليتها العالية.


من خلال الجار والمجرو،(في بيت نزار قباني) أثل درويش عنوانا أشهاريا لقصيدته،ثم فعل أتصالية بين المكان(بيت) وبين المكين (نزار قباني)ثم فعل أتصالية بين خارج البيت
وداخل الذات..

*بيت من الشعر – بيت الدمشقي
من جرس الباب حتى غطاء السرير
كأن القصيدة سكنى وهندسة للغمام
هنا يركز درويش على شعرية المكان ،بدءا من خارجه (جرس الباب)..وصولا الى غطاء السرير.

ثم ينتقل للمكين وهو يستعيد لنا صورا آفلة،وبقوة الشعر تسعيد الصور :طراوة سيرتها ألأولى :
*بلامكتب كان يكتب...يكتب فوق الوسادة
ليلا،وتكمل أحلامه ذكريات اليمام
ويصحو على نفس امرأة من نخيل العراق
تعد له الفل في المزهرية.
ثم يسلط الضوء على أشكالية الشائعة /الحقيقي بخصوص الشاعر، بعدها يجعل نزار هو المتحدث،من خلال ضمير المتكلم وهنا تكمن براعة توظيف درويش
لألية سردية بحتة،أعني بذلك،تقنية الحوار،بعدما يصقلها
ويجعلها تتدفق بماء الشعر العذب:
(منذ تركت دمشق تدفق في لغتي
بردى،وأتسعت.أنا شاعر الضوء
والفل...لاظل...لاظل في لغتي.
كل شيء يدل على ماهو الياسمين.أنا
العفوي،البهي،أرفض خيل الحماسة
فوق سطوح الغناء، وتكسرني غيمة
صورتي كتبت سيرتي،ونفتني الى الغرف الساحلية)
ثم يعاود درويش توصيف بيت الشاعر من الداخل
ليراكم جزئيات ألأزرق السائد في البيت وصولا الى كلية زرقاء تجمع السماء بألأرض:
(لم تعد ألأرض في حاجة لسماء فأن قليلا
من البحر في الشعر يكفي لينشر ألأزرق
ألأبدي على ألأبجدية/117)
يختم درويش قصيدته،بحوارية يختلط الواقعي بالمتخيل
بينه وبين نزار،حوارية في أقصى مديات الأختزال المتمكن
من تصوير الجوهري،وكذلك هي حوارية في أعالي الشعري
حيث التطابق الروحي بين شاعرين يقتسمان رهافة انسانية واحدة:
(قلت له حين متنا معا
وعلى حدة:أنت في حاجة لهواء دمشق!
فقال:سأقفز بعد قليل،لأرقد في
حفرة من سماء دمشق.فقلت:أنتظر
ريثما أتعافى،لأحمل عن الكلام
ألأخير،أنتظرني ولاتذهب آلآن،لا
تمتحني ولاتشكل آلآس وحدك!
قال: أنتظر أنت،عش أنت بعدي.فلابد من
شاعر ينتظر
فأنتظرت!وأرجأت موتي)

كقارىء ارى ان سيناريو هذه القصيدة يتمفصل بين المرئي
والتوصيف/ والمنولوغ/ وعودة الى المرئي ثم والمتخيل الحواري..
بدأت القصيدة بعين كاميرا تلتقط لنا صورا أشبه بمسح عام سريع من خارج البيت حتى عمق داخله.
ثم يبدأ بتوصيف ظاهراتي لشخص نزار،صوت أبيض ينفض الشائع المتناقل دون تدقيق عن الشخصية النزارية

(كان أنيقا كريش الطواويس،لكنه
لم يكن (دون جوان).تحط النساء
على قلبه خدما للمعاني،ويذهبن في
كلمات ألأغاني.ويمشي وحيدا.اذا
أنتصف الليل قاطعه الحلم:في
داخلي غرف لايمر بها أحد للتحية)..
في هذا المقطع من سيناريو القصيدة،يقدم درويش نزارا،على مستويين: أناقة البراني / كان أنيقا كريش الطواويس
عزلة الجواني/في داخلي غرف لايمر بها أحد

ولهذا المقطع وظيفة التمهيد،للمقطع التالي والذي يكون بصوت نزار،يليه عودة للتوصيف،ثم اتحاد الصوتين:صوت درويش ونزار في ظفيرة حوارية.

*في رام الله
عام 1996،يستقر درويش في رام الله،أقول ذلك على ذمة طية قفا كتابه(لاأريد لهذي القصيدة أن تنتهي)..
في هذه القصيدة،الماضي مشخصن في آلآخر الذي به يكتمل الشاعر (لاأمس لي فيها سواك )في المكان(رام الله ) وآلآخر يعلن الشاعر اسمه ببنبط صغير مقارنة ببنط ثريا القصيدة في رام الله .. الى سليمان النجاب ..
وتشتغل القصيدة على حوارية بين الشاعر والمهداة له القصيدة،تكون ألأحالة متكررة صوب الماضي:
*لاأمس لي فيها سواك
*لنفرح بحصتنا من الماضي
*آلآن في الماضي نحملق في غد
ولاغد سوى الموت،الذي ينتظرنا خلف النهر:
(يضحك صاحبي ويقول:فلنفرح بحصتنا من الغد.
ههنا غدنا.ويفتح صاحبي قبر
الغزال ألأبيض
(أنهض كي ينام
أبوك ،يابني،في سريرألأرض
ثانية،ويخضر التراب)!
ثم تعاود القصيدة ألأشتغال على ألأحالة التكرارية:
*لي أمس فيها
لي ذكرى غد،
*لي أمس فيها
لي غياب!

هذه القصائد الحوارية،تحيلني الى خطوته ألأولى،في مجموعته الشعرية(أعراس)،وقصيدته المعنونة(الى راشد حسين)،وكذلك قصيدته الى الصحفي اللبناني(طلال رحمة)
وقصيدته ألأولى(الى ادوارد سعيد) ثم قصيدة(طباق)الى ادوارد سعيد..في(كزهر اللوز أو أبعد)
هل يمكن ان نتوصل الى القوة الدافعة لمثل هذه التقنية الحوارية في قصائده.؟هل نجد في الجذر ألأجتماعي للشاعر
القوة المحركة؟ألم يكونا هو والشاعر سميح القاسم..متصلان بآصرة التوأم أليس لتدفق الوعي ألأشتراكي وأنتسابه ألأيدلوجي وللحزب الشيوعي حصريا أثر في هذا السلوك السوي،المحاورة حتى مع المختلف وليس فقط مع المؤتلف ..أليس الوعي ألأممي هو الذي يجعله يخاطب قاتل الفلسطينين العزل بهذه الروح ألأنسانية:
(الى قاتل)
(لو تأملت وجه الضحية
وفكرت،كنت تذكرت أمك في غرفة
الغاز،كنت تحررت من حكمة البندقية
وغيرت رأيك ما هكذا تستعاد الهوية)
ثم يبلغ الوعي ألأممي بشاعرنا درويش،اعالي المشاعرألأنسانية:
(الى قاتل آخر)
(لوتركت الجنين
ثلاثين يوما،اذا لتغيرت ألأحتمالات
قد ينتهي ألأحتلال،ولايتذكر ذاك
الرضيع زمان الحصار
فيكبرطفلا معافى،ويصبح شابا
يدرس في معهد واحد مع أحدى بناتك
تاريخ آسيا القديم
قد يقعان معا في شباك الغرام
وقد ينجبان أبنة(وتكون يهودية بالولادة)
ماذا فعلت اذن؟
صارت أبنتك آلان أرملة
والحفيدة صارت يتيمة!
فماذا فعلت بأسرتك الشاردة
وكيف أصبت ثلاث حمائم بالطلقة الواحدة)..
نلاحظ كيف ان المخيال الشعري انفتح على مستقبل مشترك أجترحته مخيلة الشاعر،لتدين وحشية القتل ألأسرائيلي.
وحين أحفركقارىء في جيولوجيا الدلالة،أستعيد مقولة رأس البروليتاريا كارل ماركس(ألرأسمالية حفارة قبرها).
اذا كان درويش لايتوقف عن مخاطب ألأعداء بهذه اللغة الشفيفة!فكيف لايأثل حميمته مع ألأصدقاء عبر تقنية الحوار؟
لنتوقف عند هذي الكسرات/الشذرات الشعرية التي تشخصن تماهي الذات في آلآخر:
(آلآن ،أنت أثنان،أنت ثلاثة،عشرون،ألف،كيف تعرف
في زحامك،من تكون؟/18)
(ربما قال: لو كنت غيري
لصرت أنا مرة ثانية/49)
(لوكان في وسعه
أن يرى غيره
لحطم مرآته
ورأى كم هو آلآخرون/50)
(أنا لاأنا
أنا لاهو/66)
(هذا آخري ،يبكي على الماضي/111)
(كم أنت أنت وكم أنت غيرك/138)
(كنت أنت أنت وغيرك/138)
(وصورة نفسي التي أنتقلت
من أناي الى غيرها/143)
،وحين أبأر الموقف تبئيرا ديريدا نسبة الى جاك ديريدا..أرى الحضور مكون من(هو) اللاحضور،ألأمتلاء متلو بالغياب،العنف مشبع بمثبطات اللاعنف،ألأنا مسكون بالآخر.


*فاعلية التسمية :
ألتقط هذه العينة الشعرية ،لأستعمالها مفتاحا تسمويا:
(لم تلدني الذئاب ولا الخيل...
أني خلقت على صورة الله
ثم مسخت الى كائن لغوي
وسميت آلهتي
واحدا
واحدا/ص66/لاأريد لهذي القصيدة أن تنتهي).
في هذه العينة،يغترف درويش من نصوص عالية القيمة،هذا ألأغتراف المضموني، يتشخصن أسلوبيا،بأسطرة اللغة الشعرية،عبر شحنتها بفيوض دلالية لامتناهية..وأرى كقارىء ،في هذه العينة :نصا تكوينيا ،صنعه الشاعر بمهارة عالية، وبعد دورة تمثيل غذائي، ليواري شعريا ،النص الظاهرة الذي أستمده منه، والنص الظاهرة هو ماجاء في القرآن الكريم
(وعلم آدم ألأسماء كلها ثم عرضها على الملائكة فقال أنبوئني بأسماء هؤلاء أن كنتم صادقين/31/البقرة)...
والشاعر يفعل اتصالية بين ألأسطرة والسيري/الذاتي في قوله( ثم مسخت الى كائن لغوي
وسميت آلهتي) هذا السطر الشعري ،يحيلني الى القصيدة التالية لدرويش:
(تجلس أمرأة مع أسمي دون أن
تصغي لصوت أخوة الحيوان وألأنسان
في جسدي وتروي لي حكاية حبها فأقول:
أن أعطيتني يدك الصغيرة صرت مثل
حديقة فتقول:لست هو الذي أعنيه
لكني أريد نصيحة شعرية)...
يرى الشاعر الكبير درويش،كيف أن تبئير آلآخرين له،قد مسخه محض كائن لغوي.
أن المرأة لاتجلس مع محمود درويش بكينونته ألأنسانية،بل مع الصورة ألأشهارية للشاعر
نلاحظ كيف ان الشاعر ،بمهارته الشعرية،أجتث الياء من(معي) وثبتها في مفردة تليها :(أسمي)..فالشاعر محذوف كذات وحاضر كأسم شعري،ولاتريد منه سوى ماينفعها هي:
(أريد نصيحة شعرية)

أن الأتصالية التسموية بين الشاعر وأسمه هي أتصالية/تضاد:
(أما أنا فأقول لأسمي دعك مني
وأبتعد عني فأني ضقت منذ نطقت
وأتسعت صفاتك،خذ صفاتك وأمتحن
غيري..حملتك حين كنا قادرين على
عبور النهر متحدين(أنا أنت) ولم
أخترك ياظلي السلوقي الوفي،أختارك
ألأباء كي يتفاءلوا عما سيحدث للمسمى عندما
يقسو عليه ألأسم،أويملى عليه
كلامه فيصير تابعه،فأين أنا؟
وأين حكايتي الصغرى وأوجاعي الصغيرة؟
ويستمر التضاد بين ألأسم والمسمى،بين الصورة /المخيال /الأطار ..حيث تتقيد حقيقة الشاعر،بفعل أستلاب،يمارس ألأسم ،على المسمى:
(وينظر قارىء في أسمي فيبدي رأيه فيه:
أحب مسيحه الحافي وأما شعره الذاتي في
وصف الضباب فلا.ويسألني
لماذا كنت أحاور أسمي:هل أنا صفة
فيسألني وما شأني أنا
أما أنا فأقول لأسمي: أعطني
ماضاع من حريتي.) .
في قصيدة(لاأريد لهذه القصيدة أن تنتهي) ثمة أمرأة تطلب من الشاعر،أن يفعل تسموية أتصالية هي منزلة بين منزلتين:
(لاتسكن أسمك)
(لاتهجر أسمك/68)
ثم يشتغل الشاعر على تنويعات التسمية:
*(بحث الغريبة في كلمات الغريب عن
أسم الحنين/ص73
*أن الحياة هي أسم
كبير لنصر صغير على موتنا/81
*والحياة هي أسمك يطفو هلالا من اللازورد
على العدم ألأبيض/81 )
• (للخوف أسماء عديدة
من بينها ألأنخاف
وأن نرى الصياد
في ريش الطريدة/قصيدة الخوف97/)
• (لي مطلب واحد: أن يكون اليمام
هو المتحدث باسمي،أذا سقط ألأسم مني/قصيدة اذا كان لابد/100)


.،حيث تحتوي طية القفا(كرنولوجيا)خاص بالشاعر.والملاحظ انها تكاد أن تكون كرنولوجيا/جفرافيا..تحصي تنقلات الشاعر في ألأمكنة:بدءا بالولادة وانتهاء بالوفاة:..
*قرية البروة/الجليل1941:مكان الولادة
*لبنان/1947 نزوحه مع عائلته بعد أجتياح الجيش ألأسرائيلي للبروة
*1949عادت ألأسرة الى البروة لكن القرية كانت قد دمرت
*1969ألتحق بالحزب الشيوعي ألأسرائيلي(راكاح)وعمل فيه محررا لصحيفته
*أعتقل في حيفا ،أكثر من مرة(1961-1969) بسبب مغادرته دون تصريح.
*1970درس ألأقتصاد السياسي في موسكو وغادرها بعد عام
*1971ألتحق بصحيفة ألأهرام القاهرية وقررأن لايعود الى حيفا
*1973ألتحق بمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت،حيث عمل رئيسا لتحرير مجلة(شؤون فلسطينية)
*1982ترك بيروت بعد الغزو وعاش متنقلا بين القاهرة وتونس وباريس
*1985-1995عاش منفيا في باريس
*1996أستقر في رام الله
*1999خفف عنه الحظر المفروض على زيارته لأسرائيل
سمح له بزيارة أمه وأقاربه الذين يعيشون في قرى قرب حيفا.
*2008أصدرت وزارة ألأتصالات الفلسطينية طابع بريد في 27 تموز/يوليو يحمل صورته.
*2008توفي في السادس من آب 2008 بمدينة هيوستن ألأمريكية
ثم تنتقل طية القفا لأحصاء بعض الجوائز التي نالها الشاعر

*طية وجه غلاف الكتاب:
تحتوي هذه الطية على فهرس اصدارات الشاعر ،مع ذكر تاريخ الطبعة ألأولى وعدد مرات تكرار الطبع,فنكتشف أن المطبوع ألأول(لماذا تركت الحصان وحيدا) من قبل دار الريس كان 1995 وآخر مطبوع(لاأريد لهذي القصيدة أن تنتهي) كان آذار 2009.

*بخصوص الميتارواية..للأيضاح نقدم هذه العينة للقارئة والقارئة.....في روايته(أمرأة الغائب)يفتتح الروائي العراقي الكبير مهدي عيسى الصقر ..هكذا)وجدي..هو ألأسم الذي ستعرفوني به في هذه الرواية.هذا ليس أسمي المدون في شهادة الميلاد.هو أسم أختاره لي المؤلف كيفما أتفق مثلما
أختار أسماء عدد من شخوص أسماء الرواية للتمويه/ص5/ط1/2004/دار المدى).
*بخصوص
*حول براءة أكتشاف الناقد: تمرحلت الغنائية في شعر درويش من سمة في بداياته الشعرية ،ثم مع تطوره السريع
المذهل،صارت هذه السمة أعني(الغنائية) لاترضي طموحه،
خصوصا وانه سعى بوعي شعري عال الى تحويرها،لذا اراحه التوصيف الذي اطلقه الشاعر اليوناني(يانيس ريتسوس) وبحسب درويش نفسه(لقد أراحني ريتسوس حين وصف شعري بأنه ملحمي غنائي أو غنائية ملحمية)/ص70/صلاح فضل/ محمود درويش حالة شعرية.

*(التعايش السلمي بين ألأجناس ألأدبية):مقالة مخطوطة عرضتها في عام 1994على أستاذي الكبير محمود عبد الوهاب،وعلى الشاعر مجيد الموسوي،تشتغل المقالة على رفع الحواجز الصلدة بين الشعر والمسرح والرواية والقصة والفن التشكيلي،ويشترط الرفع : الوعي والخبرة لتتوفر لمن يغامر :وسائل أقناع المتلقي....ثم لأسباب غير ثقافية أحجمت عن نشرها.
-------------------------------------------------------
*أستفدنا بمشروعية التلمذة والتعلم في قراءاتنا لدرويش من ناقدين كبيرين:
*الناقد حاتم الصكر/في غيبوبة الذكرى/دراسات في قصيدة الحداثة/ط1/ديسمبر/ كتاب مجلة دبي الثقافية.
*الناقد صلاح فضل/محمود درويش/حالة شعرية/دبي الثقافية/سبتمبر.
*حول أتصالية التضاد التسموية: حين نكشط سطح التضاد سنكتشف انه تضاد حياتي أكثر مما هو تضاد تسموي أو تضاد شعري/ أجتماعي،يمسخ فيه الشاعر الى كائن لغوي،وتكون هذه الكينونة هي أداة التوصيل الوحيدة بين الشاعر وآلآخرين.فالشاعر وهذا من حقه،يريد أن يحيا الحياة ،حتى لايقتصر دوره على كتابتها – الحياة – لكنه توغل في كتابتها
وكرس عمره كله للكتابة الشعرية،حتى غدى ظاهرة شعرية عربية/عالمية،هذا التكريس /ألأنحياز/ جعله ينتصر للكتابة
فكان ألأنتصار على حساب الحياة والتمتع بملذاتها ومتعها .



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

تعزية

26/08/2014 15:51:00


محمود درويش.. القصيدة والمعنى والمساء المعتق بنبيذ الكروم- عفراء بيزوك

23/08/2014 21:33:00


" طباق" للشاعر محمود درويش / عائشة البصري - المغرب

20/08/2014 22:53:00


نعي

20/08/2014 16:15:00


محمود درويش واللقاء الأول - رنا قباني

19/08/2014 20:04:00


قراءة سيكولوجية في نص " محمد " للشاعر محمود درويش- بقلم: سعاد جبر

18/08/2014 23:32:00


محمود درويش من مواقف الغنائية إلى مقام التأملات..!... د.أسامة أبوطالب

14/08/2014 06:18:00


محمود درويش يطلع بديوان جديد من وراء قبره / نبيل منصر

13/08/2014 23:17:00


موتيفات محمود درويش / صبحي حديدي

12/08/2014 23:04:00


حرب غزة - محمود درويش الغائب الحاضر / د. عادل الأسطة

11/08/2014 22:49:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 11

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة