حيث يعيش الظل - جمانة حداد         لم يقل درويش يوماً قدسوني / فراس حاج محمد         السر في حياة محمود درويش / حسن خضر         مؤسسة محمود درويش للإبداع الجليل تطلق مهرجان الشعر الرابع         محمود درويش بلسان أصدقائه         الهوية والغيرية في ديوان أحد عشر كوكباً / د. رابعة حمُّو         كتاب "أنا الموقع أدناه محمود درويش" المؤلفة : إيفانا مرشليان         لا تعتذر عمّا فعلت/ جمال الدين حشاد         
 
 
New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

السرد وتشكيل بنية النص في "جدارية" محمود درويش/ د . سامي سليمان أحمد

 

20/03/2012 21:29:00

محمود درويش

 تقوم على تفاعل لساني الشاعر الراوي والصوت الغنائي


(1)


يتكشف لمن يتابع مسيرة الشعر العربي أن القصيدة العربية المعاصرة قد طورت، في نماذجها المختلفة، علاقاتها بالسرد وعناصره وأشكاله نتيجة تبلور الأنواع القصصية والمسرحية الحديثة، وتأصل فنون الصورة المعاصرة ما أتاح لتلك القصيدة الولوجَ إلى منعطفات جديدة شكّلت موجات فارقة في علاقتها بالسرد، ويبدو لقارئ شعر محمود درويش 1942-2008 أن تعويله على السرد كان سمة من أبرز السمات التي ميزت تجربته الشعرية التي امتدت على مدى ما يقرب من نصف قرن .


وتطرح القراءة التالية سؤالاً عن دور السرد في تشكيل بنية النص الشعري في قصيدة درويش الطويلة “جدارية” التي كتبها في عام ،1999 ونشرها للمرة الأولى في يونيو/حزيران من عام 2000 .


تتطلب الاجابة الجمع بين محورين متجادلين يتصل أولهما بتحليل تجليات السرد وصيغه وأدواره في القصيدة، وذلك عبر كشف تجليات العلاقة بين محورين رأسيين أساسيين: وهما السرد والزمن، أو طرائق السرد وموجات الزمن: الماضي، الحاضر، المستقبل . كما يتطلب أيضاً الربط بين السرد والغناء والوصف، ومعاينة الانتقالات بين اللحظات الزمنية، وتأمل الفروق بين سرد كل واحدة منها . ويمكّن ذلك كله من الكشف عن أنماط السرد وصيغه داخل القصيدة .


وثاني المحورين محور تأويلي يُعنى باستدعاء الغائب، أي إعادة بناء الدلالات الكلية التي يسعى السرد إلى تأسيسها في نص “جدارية” . وتكشف قراءتنا أن ذلك الغائب يتجلى في إشكاليتي جدل الصيرورة والبحث عن تحقيق الهوية، بما يجعلنا قادرين على تأويل “جدارية” بأنها صياغة شعرية لسيرة ذاتية . ويتخذ الدرس من التحليل النصي المحايد وسيلة لوضع مجموعة من العلامات المفضية إلى بيان إجابات للأسئلة المطروحة .

 

(2)


تتألف هذه القصيدة من 68 مقطعاً . وثمة فراغ طباعي بين كل مقطع وما يليه ما يجعل منه عتبة من عتبات النص التي تسهم في فهم بنيته وتأويل القيمة التي ينطوي عليها، فإذا كان الفراغ الطباعي علامة على الانتقال من مقطع إلى آخر فإن المقاطع تترابط سواء بتكرار العديد من عناصر البناء في عدد منها، أو بتنمية عناصر التشكيل الجمالي داخل المقاطع المتوالية، أو بكون بعض الفقرات أو المقاطع الصغيرة تؤدي دور التعليقات على المقاطع السابقة عليها، من دون أن يكون هذا حائلاً بين تسرب تعليقات داخل بنية المقاطع الشعرية المتعددة .


وثمة عتبتان أوليان تسهمان في الكشف عن خصوصية النص ما يمهد السبيل للمتلقي لدرس السرد فيه وصيغه المتعددة ووظائفه التي أداها في تشكيل بنية القصيدة، وهاتان العتبتان هما: عنوان القصيدة، ودور المكان الأول الذي تشير إليه المقاطع الأولى في القصيدة في إكساب عناصر البنية السردية عديداً من خصائصها المميزة .


تحمل القصيدة عنوان “جدارية” الذي يبدو مستعاراً من عالم الفنون التشكيلية، حيث تعد الجدارية إطاراً مادياً تُحفظ عليه مجموعة من الصور المنحوتة التي تصور حدثاً أو واقعة من الوقائع المهمة في حياة جماعة من الجماعات الإنسانية، إذ إن الإبراز المادي الذي تحدثه أدوات النحاتين على أسطح الجداريات وسيلة لحفظ الوقائع التاريخية بتحويلها إلى ذكرى باقية، وذلك ما يكشف - عند إسقاط هذا الاسم على القصيدة - إنها تقوم بحفظ ما دوّنه الشاعر فيها أو عليها، ولا تختلف هذه الدلالة عن الصور المختلفة التي تقدمها القصيدة للجدارية، ففي مواضع متعددة تتعامل القصيدة مع مسمى “جدارية” على أنها مجلى مادي يتحقق فيه فعل الكتابة الشعرية بوصفه فعلاً تسجيلياً ذا بعد بصري ملازم له في تحققاته كافة، ومن هنا يتكرر وصف القصيدة بأنها “أرض خضراء”، أو هي في ما يقول الشاعر (خضراءُ، أرض قصيدتي/خضراءُ، عاليةٌ/ على مهل أدوّنها، على مهل، على/ وزن النوارس في كتاب/الماء . أكتبها/وأُورثها لمن يتساءلون: لمن نغني/حين تنتشر الملوحة في الندى؟/خضراء أكتبها على نثر السنابل في/كتاب الحقل، قوسها امتلاءٌ شاحبٌ فيها وفيّ) .


وفي موضع آخر يخلع الشاعر على جداريته بعداً مقدساً فيكتب (أرض قصيدتي خضراءُ، عالية/كلام الله عند الفجر أرض قصيدتي) . ويشير هذا إلى رغبة الشاعر في تجاوز جداريته، لقداستها، اللحظة النسبية لإبداعها إلى لحظات متعددة في حاضر المتلقين والمستقبلين لها، بما يجعل من جداريته، الحافظة لخبرته الإنسانية والوجودية، عملاً قادراً على الامتداد في حيوات الآخرين .


ولعل ذلك البعد التسجيلي الفني للجدارية هو الذي يفسر حضوره داخل القصيدة في بعض المواضع التي كانت الذات الشاعرة تستشعر فيها شيئاً من اليأس تسرب إليها من إدراكها أن شيئاً ما لا يحدث على الحقيقة، بل كلها تخرصات أو أمنيات أو أحلام .


وأما العتبة الثانية فهي الإحالات التي تصنعها مقاطع القصيدة ولا سيما الأولى منها إلى المكان أو الأمكنة التي تتم فيها وقائع القصيدة بوصفها عالماً متخيلاً، فرغم تعدد الإشارات في عدد من مقاطع القصيدة إلى أمكنة حقيقية احتضنت الوقائع، فثمة مكانان رئيسان احتفت بهما، وهما: الأين واللغة المجاز . فعلى لسان الشاعر الراوي، الذي يسرد الوقائع، يصف ثم يتساءل عن “الأين” في المقطع الثالث من مقاطع القصيدة (لا شيء يوُجعني على باب القيامة/ لا الزمان ولا العواطف . لا/أحس بخفة الأشياء أو ثقل/الهواجس . لم أجد أحداً لأسأل:/أين “أيني” الآن؟ أين مدينةُ/الموتى، وأين أنا؟ فلا عدم/هنا في اللا هنا . . في اللازمان، ولا وجود) .


إن هذا التساؤل عن وجود الأين وحقيقته يستحضر المعنى الفلسفي للأين بوصفه حلول الجسم في حيز مادي ذي أبعاد محددة بينة ملحوظة يمكن معاينتها وإدراكها عيانا، أي أن حلول الذات هنا في الأين دال على كونها في اللامكان الذي تفقد فيه ذاتيتها، ومن ثم تنتفي كل السمات المادية التي تميز المكان فتصبح الذات، أو بالأحرى الجسم، في “اللاعدم” و”اللاهنا” و”اللاوجود”، ومن ثم ينتفي “الزمان” من حيث معطى دال على حركة الجسم أو الذات في خارجها، اعتماداً على المعنى الخارجي للأين، ويصبح حضور الذات أو حضور الجسم في “اللازمان”، ومن ثم يثور لدى الذات التساؤل عن حقيقة وجودها، أي عن هويتها المائزة لها عن الذوات الأخرى، ويتم وضع التساؤل وإجابته في إطار سردي وغنائي، وإن تغلب السردي لأنه بمعنى ما وسيلة لإثبات حضور “الأنا” التي هي العلامة الأساسية لتحقق الهوية .


(3)


تدفع “جدارية” قارئها إلى تلقيها على أنها صيغة سردية كبرى، فالإطار السردي هو البوتقة الشاملة التي تحتضن مختلف العناصر السردية والغنائية التي تتفاعل في بنيتها، فالمقطع الأول منها مطلع سردي مركز يرد على لسان الشاعر الراوي (هذا هو اسمكَ/قالت امرأة/وغابت في الممر اللوبي) . وعبر المقاطع التالية يبحر الشاعر السارد في رحلات مطولة في وعيه وذاكرته بحثاً عما يحفظانه، ويظل مشغولاً بالبحث عن حقيقة اسمه ودلالاته، وسواء طفا السؤال أحياناً على سطح الوعي وانعكس في النص، أو غاب عنهما أحياناً أخرى، فإن صوت الشاعر السارد يعود في المقطع الأخير من القصيدة وقد أوشك أن ينهي رحلة البحث عن اسمه الذي هو دال على وجوده وهويته، ليعدد مجموعة من الأشياء التي يمتلكها أو تمتلكه هي، لأن تلك العلاقة ببعديها هي دليل تحقق وجوده، إذ إن وجود الفرد متحقق باتصاله بمجموعة من الموجودات التي تخصه، أو التي تنتمي إليه بقدر ما ينتمي هو إليها، فهي علامات وجوده القار . ومن ثم توقف أمام حروف اسمه ليستعيدها بالقراءة الأفقية في نوع من تحقيق الدلالة الذي ينطوي على دوال تحقيق الهوية “الفردية”، لأن الاسم علامة على وجود مسماه أو من يحمله، كما أنه دال على تحقق الهوية، فيقول صوته (واسمي، وإن أخطأت لفظ اسمي/بخمسة أحرف أفقية التكوين لي: ميم: المتيم والميتم والتمم ما مضى/حاء: الحديقة والحبيبة، حيرتان وحسرتان/ميم: المغامر والمعد المتسعد لموته/الموعود منفيا، مريض المشتهى/واو: الوداع، الوردة الوسطى/ولاء للولادة أينما وجدت، ووعد الوالدين/دال: الدليل، الدرب، دمعة/دارة درست، ودوري يدللني ويدميني/ وهذا الاسم لي/ولأصدقائي أينما كانوا، ولي/جسدي المؤقت، حاضراً أم غائباً) . ويمكن للقارئ أن يشير إلى أن منطق التداعي هو الحاكم لاختيار الشاعر مجموعة المفردات التي تشرح تجليات حروف اسمه في عدد من مفردات اللغة، وذلك ما يجعل من المقطع الأخير إغلاقاً للإطار السردي للقصيدة بوصفها بحثاً عن الاسم الذي هو تحقيق لوجود المسمى به .

وتقوم بنية القصيدة على تفاعل لساني الشاعر الراوي والصوت الغنائي، فالصوت الأول يسرد مجموعة من الوقائع التي ينتمي بعضها إلى زمن الماضي بما يجعل منها إشارات إلى وقائع أو أحداث وقعت بالفعل، لكن القصيدة تتعامل معها إشارياً بما يجعلها تكتفي بالحدود الدنيا منها، أي أنها تقتصد بشدة في تقديم تفاصيلها بما يحوّل تلك الإشارات إلى وسيلة استحضار كثيفة .


وتنتمي مجموعة أخرى من الوقائع إلى المستقبل الذي يشتمل على عدد من النبوءات والأحلام، على حين تصبح لحظة الحاضر لحظة انطلاق إما نحو الماضي أو صوب المستقبل، كما أنها زاخرة بالأحداث، لذا تصبح أكثر اللحظات الزمنية كثافة . ويتصل بصوت الراوي صوت الواصف الذي يعنى بتقديم بعض التفاصيل المرتبطة بالزمان والمكان الشعريين، أو يتدخل بالتعليق داخل اللقطات السردية خاصة كاشفاً عن مغايرته للصوت السردي، وإن كان هذا الصوت شاحباً مقارنة بالصوتين الآخرين في القصيدة .


وأما الصوت الغنائي فهو الناطق بمشاعر الذات، في صيغ بعضها غناء صافٍ يتجلى في عدد من مواضع القصيدة، وبعضها الآخر يتداخل مع السرد والوصف في كثير من فقرات القصيدة .


ويتوزع صوت الشاعر الراوي وصوت الشاعر المغني على مقاطع القصيدة، في معظمها، ما يجعلهما يتبادلان الحضور أو الظهور، كما يتداخلان في بعضها الآخر بما يكشف عن حدوث انتقالات في الموقف الشعري .


إن انتقال صوت الراوي بين وقائع الماضي والحاضر والمستقبل عبر مختلف مقاطع القصيدة التي تكشف على أنحاء متباينة من الصيرورة أو التحولات العنيفة التي تعانيها الذات الساردة - يعد دالاً على كون البنية الاساسية الحاكمة لتشكيل القصيدة هي البنية السردية لأن العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل في ما ترى سيزا قاسم - “من السمات المميزة للأعمال القصصية”، فالسرد أو القص هو (التشكيل المثالي للخبرة الإنسانية الزمنية حيث إنه التجسيد للصيرورة التي تمثل البعد الوجودي للزمن، فالزمن هو الحركة والتغير، هو المسار الذي يحول الحاضر إلى ماضٍ، ويأتي بالمستقبل إلى مسرح الحاضر) .


ويمضي سرد الوقائع في القصيدة عبر انتقالات متوالية ومتتابعة، ومتداخلة في الوقت نفسه، بين أزمنة الماضي والحاضر والمستقبل ما يتخذ صيغ التذكر والإدراك والتنبؤ، وذلك ما يحقق جوهر القص أو السرد عبر تصوير الصيرورة التي تعتري الذات الشاعرة في بحثها عن هويتها، فالصيرورة هي نتيجة فعل يقوم به الفاعل إما بإرادته واختياره أو بإكراه بسبب الضرورات والشروط الدافعة له إلى ذلك، وفي هذه القصيدة تقوم الذات الشاعرة بالأفعال الأساسية من تذكر وحلم ووصف، وهي أفعال تتم في “الأين” أي المكان المتصف بحدود معينة.


وتفصح القصيدة عن وعي الذات الشاعرة بأبعاد الزمن الثلاثة الرئيسة، واكتشافها المآزق التي تواجهها نتيجة سعيها إلى اقتناص اللحظات الثلاث معاً، ما يتجلى في مواضع متعددة ليعكس ادراك الذات الشاعرة تنوع جوانب علاقتها بالزمن، فحين توجه الذات الشاعرة خطابها للزمن (يأيها الزمن الذي لم ينتظر/لم ينتظر أحداً تأخر عن ولادته/دع الماضي جديداً، فهو ذكراك/الوحيدة بيننا، أيام كنا أصدقاءك/لا ضحايا مركباتك . واترك الماضي/كما هو، لا يُقاد ولا يقودُ) .


وحين تقول (لا عُمْر يكفي كي أشد نهايتي لبدايتي) تشير إلى رغبة الذات الشاعرة في العودة من النهاية إلى البداية، أي العودة من أجل الاستعادة والحكي، مع إدراك أن العمر لا يكفي، ولعل إدراك هذه المفارقة هو الذي كان يدفع الشاعر الراوي إلى القبض على لحظة الحكي ما يجعلها لحظة مكثفة، إذ هي معادل للحظات كثيرة من الماضي خاصة، وحين تكرر الذات عبارة (وأنا أريد، أريد أن أحيا) في مجموعة من الفقرات تتحول إلى دال مباشر على رغبتها في الحياة والتغلب على الموت أو نيسانه، أو الهرب منه، وذلك ما يمنح تلك الرغبة جدواها حين يصلها القارئ بتصوير الذات الشاعرة موقفها من الزمن، بأبعاده الثلاثة الأساسية، مغنية صارخة (وبي شبق إلى ما لستُ/أعرف . قد يكون “الآن” أبعد/قد يكون الأمسُ أقرب . والغد الماضي/ ولكني أشدُ “الآن” من يده ليعبر قربي التاريخ، لا الزمن المدور/مثل فوضى الماعز الجبلي)، وتكشف هذه الصورة عن بعض جوانب العلاقة “المأزومة” بالزمن، فالرغبة في المعرفة “شبق”، ولكن انقسام الزمن إلى ماض وحاضر ومستقبل يعوق إشباعها، ولا حل سوى بمحاولة استحضار “الماضي” و”المستقبل” إلى الحاضر مما يجعل من الحاضر لحظة كثيفة مثرية .


يقوم السرد في “جدارية” على استحضار وقائع ماضي الذات الشاعرة وحاضرها الآني ومستقبلها المأمول والمآل الذي تطمح إلى أن تكونه، ولكن انتقالاتها بين هذه المراحل الثلاث تتم وفق منطق التداعي “الحر” الذي يتحقق بالمغايرة بين الأزمنة وتداخلها وتقاطعها، والانتقال من صوت السارد الراوي، والواصف أحيانا، إلى صوت المغني الذي يمتح من مطمورات وعيه، وتكرار استخدام الفجوات سواء داخل المقاطع أو بينها، ويتجاوب هذا التداعي مع وصف الذات الشاعرة للقصيدة بأنها “حلم” و”رؤيا” تتداعي فيها الأشياء أو العناصر التي تكون العالم المتخيل الذي تقدمه هذه القصيدة ما يجعل من السرد وسيلة أساسية لتشكيل عالم متخيل يتلاقى فيه الماضي والحاضر والمستقبل، لأن الماضي مثوى ذكريات يقوم الصوت السردي في القصيدة باستعادتها ونثرها في مقاطع مختلفة منها، على حين أن المستقبل حاضر بقوة في كثير من المقاطع على أنه المآلات التي سيؤول إليها الصوت أو الشاعر في ما يستقبل من لحظات تمتد في الزمن الآتي الذي بدت بعض أماراته وبشائره . وأما الحاضر فهو يتجلى بوصفه لحظة اجتماع تجليات الماضي والمستقبل، وبوصفه أيضاً كينونة مكانية تنصهر فيها مكونات الماضي وتطلعات المستقبل أو أحلامه وتحولاته . وذلك ما ينتج مجموعة من الصيغ السردية .

 

(4)


يتطلب السرد تحديد الأطر الزمنية والمكانية التي تدور فيها الوقائع المحكية، وذلك ما يجعل من تصوير تلك الأطر واحداً من العناصر الأساسية في بنية الصيغ السردية . وفي “جدارية” يتبدى وصف تلك الأطر داخل الصيغ والبنى السردية المختلفة في صياغات موجزة تكمل تلك البنى والصيغ، ولا يكاد يخلو أي مقطع من مقاطع القصيدة من جمل وعبارات موجزة تحدد بعض ملامح الأزمنة والأمكنة التي تدور فيها الوقائع، ويتحول ذلك الوصف في مواضع أخرى في القصيدة، إلى فقرات سابقة على الفقرات السردية بما يجعل الفقرات الوصفية تهيئ سياقات الفعل الشعري، وسياقات التلقي الموازي له، ببناء ملامح المناخات النفسية والشعورية التي تتم فيها الوقائع المحكية، لا سيما حين تكون الفقرات السردية قائمة على الرؤيا . ولما كانت تلك الفقرات رؤى تتحرك، عبر أزمنة مختلفة، في حركة حرة تعكس انتقالات عين الراوي الشاعر انتقالاً خاطفاً بين وقائع قد تكون من التاريخ الشخصي له، فإن الفقرات الوصفية تتسم بالإيجاز الشديد، ولا تخلو من بعض العناصر السردية، وإن كانت تتشكل طبقاً لهوية المكان أو الأين الذي تتحقق فيه على نحو ما يبدو في الفقرات التالية: (ورأيت ما يتذكر الموتى وما ينسون/هُم لا يكبرون ويقرؤون الوقت في/ساعات أيديهم . وهم لا يشعرون/بموتنا أبداً ولا بحياتهم . لا شيء/مما كنت أو سأكون . تنحل الضمائر/كلها . “هو” في “أنا” في أنت/لا كل ولا جزء . ولا حي يقول/لميت:كني) وتصور الفقرة التالية حالة الذات الشاعرة (وتنحل العناصر والمشاعر . لا أرى جسدي هناك . ولا أحس/بعنفوان الموت، أو بحياتي الأولى) . وفي موضع آخر ينهض الوصف بتقديم بعض ملامح الزمن الذي يدور فيه حدث الفقرات التالية، وهي ملامح “اللازمن” حيث يعلن صوت الشاعر أن (الوقت صفر . لم أفكر بالولادة/حين طار الموت بي نحو السديم/ فلم أكن حياً ولا ميتاً/ولا عدم هناك، ولا وجود) .


ولا تكتفي الفقرات الوصفية السابقة بتفسير بعض عناصر المناخ النفسي أو الشعوري الذي ستتم فيه تلك الرؤى المتوالية، والمتقاطعة في الآن نفسه، بل تضيف إلى ذلك، لا سيما في الفقرة الأولى منها، تصوير “فكرتي التحول والتداخل الدائمين، اللتين تعدان مجليين من مجالي الصيرورة الدائمة، وذلك ما يكشف عن أن الوصف يتداخل مع السرد الذي يتحول بدوره إلى ومضات قصيرة متناثرة في المقطوعات والفقرات، وهي ظاهرة بقدر ما تؤكد سريان السرد في مختلف بنى القصيدة فإنها تشي، في الوقت ذاته، بكون الشكل السردي هو الإطار الجمالي المستوعب لعناصر القصيدة كافة، القصيدة بوصفها تصويرا لعالم متخيل تحضر فيه الأشياء والأحداث حضوراً مركزاً يجعل منها - في معظم الأحيان - إشارات موجزة أكثر من كونها إيماءات متسعة أو مشاهد مكتملة، فالسرد في “جدارية” هو الإطار الفني العام التي ينتظم مختلف تجليات الصيرورة التي تعانيها الذات .

 

حلم


تكررت على لسان الشاعر الراوي إشارات متعددة، لا سيما في الفقرات الأولى، إلى كون القصيدة “حلماً” أو “رؤيا”، وتهيمن مناخات الحلم والرؤيا على القصيدة، وذلك ما يفسر تداخل أزمنة السرد والانتقالات والتزاوجات المستمرة بين السرد والغناء عبر مقاطع القصيدة المختلفة .


وتقوم هذه القصيدة بوصفها عالماً متخيلاً تصنعه اللغة الشعرية على ثنائية محورية، وهي ثنائية الوجود والعدم التي تفضي في مسارات القصيدة إلى إنتاج مجموعة من الثنائيات، ومنها الحضور والغياب، التحقق واللاتحقق، الصيرورة والثبات، التذكر والنسيان، الحياة والموت . . التي تعد جميعها تجليات متعددة لتلك الثنائية المحورية.


*جزء من ورقة مقدمة إلى ملتقى الشعر العربي في الشارقة




  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

حيث يعيش الظل - جمانة حداد

30/05/2014 23:13:00


لم يقل درويش يوماً قدسوني / فراس حاج محمد

30/03/2014 10:54:00


السر في حياة محمود درويش / حسن خضر

30/03/2014 02:24:00


مؤسسة محمود درويش للإبداع الجليل تطلق مهرجان الشعر الرابع

25/03/2014 21:15:00


محمود درويش بلسان أصدقائه

25/03/2014 05:09:00


الهوية والغيرية في ديوان أحد عشر كوكباً / د. رابعة حمُّو

22/03/2014 14:12:00


كتاب "أنا الموقع أدناه محمود درويش" المؤلفة : إيفانا مرشليان

19/03/2014 19:14:00


لا تعتذر عمّا فعلت/ جمال الدين حشاد

18/03/2014 12:23:00


رام الله: وفد من مؤسسة محمود درويش للإبداع في الجليل يشارك في حفل توزيع جائزة محمود درويش لعام 2014

17/03/2014 07:09:00


الغنائيّة في الشعر العربي/ عبد اللّطيف الوراري

21/02/2014 21:07:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 11

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة